القلق لا يأتي بخير

عَلَى حِين غفْلةٍ من أهلِها.. باغتَ هذا الوباءُ المسعورُ الأرضَ، محاولاً بنباحه إرعادَ الملايين من الآدميين... أزهق الكثير من الأرواح وأرهق الكثير من الأجساد، لاحُظوة ولا وجاهةَ لأحدٍ عنده من الناس، يقذفُ شَظَاياهُ اليَحْمُومِيّة بجنونٍ نحو الإنسان؛ شرقيًّا كان أم غربيًّا..ثاويًا في كوخٍ أو مُتَحصنًا في قَصرٍ،غيرَ آبهٍ للون أو عرقٍ أو دينٍ أو فكر، فلا حيّزَ للتمايز في وجوده...شأنُه شأن الكثير من الابتلاءاتِ القاهرة.
معَ هَذا الوبَاء المستجِد استجدّتْ في دولِ العالمِ لائِحةٌ من الأنظمةِ والقوانِين المَحلية، وفُرضتْ على النّاسِ بعْضُ القرارَات التي من شأنِها أن تضعَ حدًّا لِتسكُّع هذا الفيروس، ولعل أكثرَ قرارٍ كانتْ له علاقَة مباشرة بتغيير مجرى ممارساتنا الحياتية المعتادة -بعدَ تعليق الدرسةِ- قرارُ "الحجر المنزلي"وبالرغم من إيمانِنا بحكمةِ وصلاحية وفعالية هذا القرار إلا أنَّ هاجسا من القلق والضجر - في بادئ الأمر- صار يدبّ في دواخلِنا؛ لتنقدحَ معه عدّة من التساؤلات المتلاحقة!
ماذا يمكنُنا أن نفْعلَ بين هذه الهَياكِل الطّوبِية من الجدْران؟
ما الذي يمكنُ أنْ ننجزُهُ وسط هذه الأطنَان من الفوضى التي يخترعُها الأطفالُ ذوو الأعوامِ القليلة؟
وكيف سنقضي أيامَنا بين هذه القطع الأثَاثيةِ البكماء؟
كل هذه التساؤلات وغيرها بدأتْ تضمحلُ وتتبددُ منذ الأيامِ الأولى من لزومنا المنزل! أصْبحَ الوضع مغايرًا لما كنا نتصوره ونستشعره،الصورة القاتمة المميتة للحجر التي فرضتها علينا الظروف قسرًا حولناها إلى لوحة زاهية لفضاء رحب حوى ذواتنا وأبناءنا،وأعاد التوازن لوجودنا؛حدث ذلك حينما استوعبنا مسؤوليتنا حيال هكذا ظرف، وعرفنا أن ما ينبغي علينا فعله هو:
أولاً: اتباع الأنظمة الصحية التي تجنبنا الإصابة بهذا الفيروس من تعقيم للأيدي، وعدم التواجد في أماكن التجمعات، والبقاء في المنزل وغيرها من الإجراءات الوقائية.
ثانياً: صرف هواجس القلق والرعب والهلع، وخلق أجواء من الطمأنينة والسلام في أسرنا..فالعاقل لا يقبل أن يجعل للقلق عليه سلطانا، لأنه متى ما ساور القلقُ عقلَ وقلب الإنسان كبَّله عن الفعل والعمل وجعله عاجزًا عن أخذ قرارٍ أو تحقيق إنجازٍ. يقول أحدُ الفلاسفة:"القلقُ الدائم هو نوع من الحماقة، فهو مثل المشي دائمًا وأنت تحمل مظلتك خوفًا من المطر".
تعالوا مَعي نرْجَع إلى الوراء بضعة أسابيع، قبل أنْ يُفْرض الحجر المنزلي علينا كيف كانتْ علاقتنا مع الوقت؟ ألمْ نكُن معه في عِراكٍ متواصل؟!
"بسرعة" كانت هي الكلمة الحاضرة دوماً في اتصالنا مع أبنائنا.
"بسرعة ارتدِ ملابسك!".
"بسرعة تناول وجبتك!".
"بسرعة دوّن واجبك!".
حتى إذا ما خلدوا إلى فراشِهم سحَبْنا الغطاءَ عليهم ونحنُ نتأمل ُفي ملامح وجوههم البرئية مؤنبين أنفسنا بأننا لم نُنْجِز معهم سوى القليل القليل مما يرغَبُون به.
اليومَ ونحن في الحجر المنزلي جآءنا الوقتُ مُذعنًا منقادًا، وصار بوسعنا فعل الكثير لأبنائِنا؛ بوسعنا أن نُنميَ فيهم بعضَ المهارات العلميةِ والعملية..
أن نرتِّلَ معهم الصلواتِ والأذكار..
أنْ نحْفظَ معهم بضعَ آياتٍ من القرْآن..
أن نحيكَ معهم ملابس لدميتهم العروسة الجميلة..
أن نُهنْدِسَ لهم بيْتًا من الورقِ الكرتوني..
أنْ نصْنعَ معهم قوالب الكعك والمعجناتِ بالأشْكالِ التي يعْشقُونهَا..
أنْ نُسامرهم ونطيل الحديث معهم..
في الحجر المنزلي صار لدينا شاسعٌ من الوقت نلْتفِت فيه إلى ذواتنا؛ نتلمسُ بحنّيةٍ مشاعرَنا..نتأملُهَا من جديد..نُعِيد قراءةَ ما نحبه وما نكرههُ.. ما نريدُه وما لا نريدُه، نَسْتنْبئ مكامنَ الجمالِ في شخصياتِنَا.. حتمًا هناك الكثير من النفائسِ تكْتنزها ذواتنا، فقط هي بحاجةٍ منّا إلى بعض التروي والتبصر.
وما أجمله من حجرٍ حين نميضه يوميّا في حفظ وتدبر ثلاث آياتٍ من كتاب الله الكريم، نتنفسُ بها الطمأنينةَ والراحةَ ونُقيل بها القلق والخوف.. نُؤصِّل فيها اعتقادنا بأن أمرنا كله موكول إلى القوي الخالق.
أرواحُنا.. أعمارُنا.. سكناتُنا.. حركاتُنا.. أنفاسُنا كلها بين يدي مشيئته وإرادته تعالى، ولن يصيبنا إلا ما كتبه لنا؛ فأمرنا كله إلى خير إن شاء الله.



