الفقراء بين الحقيقة والوهم ..

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
لسنا في صدد بيان تفسير الآية ولا المساس بتأويل الكلمات فذاك أمر له أهله، ولكن أحببنا فقط ذكر الشاهد لبيان أوجه صرف الصدقات في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
الفقر والمسكنة مصطلحان مطاطيان في اللغة والمجتمع، ويرجع المختصون العلة في تعدد معاني مفهوميهما للثقافة، والزمان، والأعراف الاجتماعية لكنهما يشتركان في صفة وهي الحاجة الحقيقية والعِوَز.
في العقود الماضية كان الفقراء والمساكين من الكسبة الكادحين الذين يعملون صباح مساء ولكن قوت يومهم لا يكفي لسد جوعهم فضلا عن أبنائهم، وكانوا من المرضى أو كبار السن الذين أقعدهم الزمن عن الكسب الحلال، ومنهم الأيتام الذين فقدوا حماهم وأصبحوا في مهب الريح تتقاذفهم الدنيا، ومنهم الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن وما كان لهن معيلا سواه، ومنهم طلاب العلوم الدينية الذين يغتربون عن أوطانهم لأداء رسالة الأنبياء ونشر العلوم والمعارف ورفع الجهالة عن الناس، ومنهم الذين خسروا ما يملكون لظرف غير إرادي كالحريق أو السرقة ومنهم غير ذلك. يشتركون جميعا في أمر واحد وهو الاحتياج الحقيقي.
أما الآن فما عدنا نعرف الفقير الحقيقي من مدعي الفقر، فالكثير من الشباب الأقوياء وبعض الموظفين القادرين على سد احتياجهم بعرق جبينهم لا يجدون حرجا في ادعاء الفقر وطلب الحقوق الشرعية من الوكلاء فضلًا عن طلب الصدقات من ميسوري الحال، وكأن ذلك حق مقدّر لهم في مال الآخرين.
بعض مدعي الفقر يأخذون الحقوق الشرعية والصدقات للسفر، والزينة، والترف ضاربين بالمحتاجين الحقيقيين عرض الحائط.
ومن مدّعي الفقر - لا الفقراء - من تعود الذل حتى حسبه فضيلة فصار يتنقل كالمذياع بين الناس طالبا المال.
أصبحنا نعطي الصدقات والأخماس لمن يستحق ولمن لا يستحق، متذرعين بالرحم تارة، وبالجوار تارة ثانية، وبالعلاقة الإنسانية في الثالثة، ونحسب أنفسنا من المنفقين في سبيل الله.
كم أتمنى من رجال الدين الفضلاء وأساتذة الحوزات العلمية والخطباء والمختصين في الجمعيات الخيرية واللجان الأهلية أن يتناولوا موضوع الفقراء والمساكين ومستحقي الخمس والصدقة ليعرف الناس حدودهم الشرعية وجهات الصرف الصحيحة.
وهذا أمرٌ يسير في كل مجتمع وما يحتاج سوى لتشكيل لجنة مختصة من أهل الكفاءة والدين والخلق ولنطلق عليها مجازا لجنة (تعفف) للتمييز بين الفقراء المستحقين الذين لا يملكون قوت سنتهم لا بالفعل ولا بالقوة وغير المستحقين لذلك وفق أبجديات وضوابط خاصة ومدروسة.
نحن لا ننفي وجود الفقراء واحتياجهم بأية حال في مجتمعنا المعاصر، بل نرى أنهم السر الحقيقي لدفع البلاء عن الناس، وأنهم أبواب الله المشرعة، غير أنّا في الوقت نفسه نأمل من مدعي الفقر ومعتادي الطلب وهم بكامل صحتهم الجسدية أن يتأملوا في سلوكهم ويعلموا أنهم من غير المستحقين، وأنهم أحد أسباب الفقر الحقيقي.
بلا شك ولا ريب إن الحقوق الشرعية والصدقات الواجبة والمستحبة قادرة على سد احتياج الفقراء الحقيقيين في مجتمعنا، ولكن المدعين حرموهم حقوقهم وهم يعلمون..
وعليه، ينبغي علينا جميعا أن نكون يدًا واحدة في تقصي الفقراء الحقيقيين وتمييزهم عن المدعين، وصرف الأموال في أماكنها الصحيحة بعيدًا عن النسب والعلاقات والمجاملات.
الفقراء الحقيقيون كرامتهم أغلى من أستار الكعبة يخجلون من الناس ولا تراهم من الثرثارين أو القادحين، ولا تنفتح أعينهم على أموال الناس، ولا يسعون للأخذ منها بجميع السبل. تحسبهم أغنياء من التعفف {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}، إنهم من سفراء السماءِ للناس.
أما مدعو الفقر المعاصرون فلا يختلفون عن المنافقين في عهد رسول الله كثيرا لأنهم يقيسون العدالة بالمنافع الشخصية فحسب {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}.
اتهم المنافقون رسول الله (ص) في عدالته حين منع بعضهم من الأخذ، وأعطى بعضهم ما يستحق فقط، ولو أنه أعطاهم ما يطلبون لكان قمة العدالة وهرمها، وهذا هو حال مدعي الفقر في زماننا المعاصر مع من يختلف معهم في تقدير الاحتياج فضلًا عن وجوده من عدمه.



