أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مائدة أمي والدهشة.. 4

جمال الناصر · القطيف اليومالإثنين 18 مايو 2020، 11:48 ص
مائدة أمي والدهشة.. 4

في المنتج الأدبي تولى أهمية إلى دراسة ما يعنيه الغموض في النص؛ ويتم البحث عن إجابات لهذه الأسئلة: أين حدوده ومسافاته في العمق؟ أيأتي موغلاً في العتمة أم شفافًا؟ يكتنزه القليل من الغموض لتتناسب الشفافية مع الغموض وتقوم بعمل توليفة جمالية كأنثى يبللها القطر لتبصر شيئًا ولا تبصر الأشياء في كلها! تمنحك اللهفة والدهشة، تبعث فيك الفضول لتبصر شرفات الضوء، وتمسك حبات المطر، موغلاً في اكتشاف النص.

في هذه الناحية تساءل الناقد الحميدي: هل الغموض هو الدهشة نفسها؟!

مجيبًا: يظن الكثيرون ذلك، وخصوصًا الكتّاب، ولهذا تراهم يخلطون بين الدهشة والغموض، ويعتبرون المصطلحين شيئًا واحدًا، وهو خطأ، فالغموض عملية عقلية، الهدف منها إضفاء هالة من عدم الوضوح حول تفصيل ما، بينما الدهشة، تعني الكشف عن هذا الغموض.

وتابع: لنوضح أكثر، فالغموض قد يكون مقصودًا لذاته، مما يضفي جمالاً على النص الإبداعي، وقد يكون ناتجًا عن سوء اختيار المفردة، مما يسبب إرباكًا للمتلقي، وإرباكًا للنص، وفي هذه النقطة يشترك الجيل الصاعد، ويقع في الخطأ دون أن يشعر، حيث لا يفرق الكتاب بين الاستخدام الواعي للغموض، والاستخدام العشوائي؛ فترتبك نصوصهم، وتصبح المعاني متضاربة، والأفكار غير واضحة.

وأضاف: الدهشة تتعلق بأمرين: الأول عقلي، والثاني لغوي، فمن الناحية العقلية لدينا تراث طويل من العبارات الجاهزة والمقولات الخالدة، وهي عبارات فقدت إدهاشها ورونقها، فيأتي الكاتب إلى إحداها، ويستخدمها استخدامًا مختلفًا، يتوافق مع المعنى، الذي يريد، ولنا في قوله تعالى {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ}، مثالاً بارزًا، حيث طلع النخلة معروف، والرؤوس معروفة بينما الشياطين لا أحد يعلمها؛ إذًا، نحن في إشكالية عدم المعرفة، والتفريق بين الغموض والدهشة، فقد وضع الناقد -الحميدي-، يده، وبيانه على المشكلة، وجسدها، تحديدًا، فإن اختلال المعرفة، تجعل من الكاتب في الشأن الأدبي، إما غارقًا في الغموض، كأنه لا يمتلك حتى عصاه، ليعبر الطريق، من فجاجة الظلمة، ويجعل القارئ لنصه يعيش كأنه في دائرة زئبقية لا يستطيع الخروج منها بأي معنى، سوى أن رأسه "يفتر"، وفي ذاته، يشعر برفض النص، ولا يستطيع الاستمرار، فتتيبس قدمه ويسقط في الهاوية.

قد يسأل الكاتب: هل يفترض أن أعرف كل هذه المصطلحات لأكتب؟

أعتقد -متطفلاً-، أنه لا ينبغي تعلم كل مصطلح، ليكتب الكاتب، أو أن يدرسه، ولكن ينبغي عليه، أن يعرف -ولو القليل-، لما هو أمامه، ويشتغل عليه، لا أن يعرف عن الغموض والدهشة، أو عن الصور الجمالية، والتراكيب اللغوية، وتنافر الحروف، وأن يشعر بكل ذلك في روحه وذاته، وأن تبهره الدهشة في نصه، وفي قراءاته، وأن يستمتع بالصورة الجمالية، وتراكيبها اللفظية، وما ينسجه الآخرون، وأن يلمس بذائقته، وبصره، تنافر الحروف.

طبعًا، من نافلة القول، ينبغي التنويه بأن بعض اليراع صاحبها يكتب النص ولم يتعلم العروض، لم يدرس كل هذه العلوم، لكنه من خلال الذائقة، من نفحات الاستماع للشعر، ومن التعمق فيه، استطاع ابتكار الفكرة الحلوبة، واستخدام الإيجاز من خلال البديهة، فتجده متألقًا في نصه، سواء كان شاعرًا فصيحًا، أم شاعرًا عاميًا.

ومن هنا نصل إلى نتيجة مفادها أن الولوج في الغموض ليس إلا جدارًا تصطدم به القصيدة.

قالت أمي: يا ولدي، لا تتخذ طريقًا تنطبق نتيجته مع المقولة الشهيرة "يا أبو زيد، كأنك ما غزيت".

لا تزال أمي في كل لحظاتي معها، تخزن في ذاكرتي كلماتها، التي لم أفهم ما ترمي إليه، ولكن، مع مرور الوقت، أقوم بإسقاط الكثير من الأشياء على كلماتها، لتفتح الشرفة بأوسع أبوابها، وقد أتطفل -كعادتي-، فأقول: ارجعوا إلى كلمات أمهاتكم، ستجدون المعرفة، والحكمة، وكل ما من شأنه، أن يثري ذائقتكم، ولغتكم، ورؤاكم، ستجدون الأنس، والماء البارد، يمنحكم الدفء.

الدهشة هي كشف الغموض؛ هكذا يضيف الحميدي إلى العملية الدرامية الفعلية للدهشة، حيث إن هناك شاعرًا ألقى قصيدته، وأخرى تلقي خاطرتها، وذاك يقرأ قصته، وهذا يبصر لوحة فنية، وتتهاطل على المتلقي ألوان مختلفة، فكم يحتاج من الدقائق لتغرقه الدهشة؟ كل لون من الإلقاء له دقائق، تحتضنه، سواء كانت في زمانية الإلقاء، أو مكانيته، بكونه الآن، أو فيما بعد.

إن الحالة الكشفية تعتمد على ما يمتلكه المتلقي من ثقافة في ذات الفن، وخبراته العملية في قراءة المنجز، لكن المتلقي البسيط كيف يدهشه؟ أيتكون أيضًا من خلال العملية الكشفية؟

إذًا ما بين الدهشة والغموض، شيء أشبه بالغربلة، قريب من واقعية الشيء واللاشيء.

أطلنا وخير الكلام ما قل ودل، وحرى هنا التطرق إلى ما يبزغ من قصيد من أنامل الشاعر السيد أحمد الماجد، شاعر، يهتم بالفكرة، بالإيجاز، بالمعاني الضمنية، ينسج توليفة ما بين الفكرة والإيجاز، وهذا ليس غريبًا، فإنه يرى أن الشعر، هو الإيجاز، وتعبيره عن الفكرة.

لذا حين تقرأه، أو تصغي إليه، تنتابك الرعشة، والتيه، والدهشة، قد يفوتك قطار كشف الغموض لحظتها -كما ذكر الحميدي في دهشته-، لأرى -وبكل تواضع-، أن كشف الغموض، جزء من الدهشة، وليس كلها، فلا تأتي الدهشة، كعملية كلية، يختزلها كشف الغموض، بينما لها شرفات أخرى؛ ذات الإنسان، ألمه وفرحه، تجاربه في الحياة، أمنياته وأحلامه، وجود نقطة اشتراك بينه وبين النص، وأكثر من ذلك، وقد تكون لا تُمس، ولكن تشعر بها، لا يمكن كشفها، لكنها، تتسلل لداخلك، والأجمل اكتشافها، فإنها لا تجعلك مدهوشًا فقط، بل أنت الدهشة عينها!

كتب الشاعر الماجد:

على ورقِ الموتِ

لوَّنَ ما لونه

تمهَّلَ

أضرحةً وقبابًا

وغادرَ خارج أغلفة النص والرسم والوقت

واختار شكلاً بألفِ مكانٍ وألفِ سَنة

خرَّ كالمطر المتواصل

لكنه

أسند الريح والشمس

والأرض والأمكنة

خر أعلى فأعلى

وما زالت

الأرض تبحث عن موته

وهو يَفتح شباكَهُ كلَّ ظلٍّ

ويوقظ مئذنةً مئذنة