تنبؤات درامية أم سينما متواطئة.. 29

إن تفشي الأوبئة عبر التاريخ هي بمثابة حروب مستعرة، تنهش البشر بجيوش لا ترى، عيون العلماء رأت الفيروسات عن كثب وسلطت الضوء على غوغائيتها منذ زمن، جهود مضنية لعقول أفنت العمر في رصد تلك الكائنات الغرائبية موثقة عبر سلسلة أفلام وكتب بكل لغات العالم، ومنها الكتاب المترجم "الفيض" للعالم دافيد كوامين، وهو غيض من فيض.
فهناك كتب أخرى تحذر من شرور الأوبئة والفيروسات، منها: "علم الأوبئة - رودولفو ساراتشي - مترجم"، وكتاب "الفيروسات - دوروثي إتش كروفورد - مترجم "، وكتاب "الفيروسات والأوبئة والتاريخ: الماضي والحاضر والمستقبل - مايكل ب. أ. اولدستون"، وكتاب "الوباء: تتبع العدوى، من الكوليرا إلى الإيبولا وما بعدها - سونيا شاه"، وكتاب "فيروسات الحيوان والبشر: فجوة ضيقة، كيف تتكون الأمراض الحيوانية المميتة- وارن، أ"، وكتاب "كوكب الفيروسات - كارل زيمر"، وكتاب "الأوبئة والشعوب - وليم ماكنيل" وكتاب "اندلاع: 50 حكاية عن الأوبئة التي أرعبت العالم- بيت سكواركي"، وأيضاً "الفيروس العاشر: فهم التهديد الحقيقي للأوبئة الفيروسية الجديدة- فرانك ريان".
وهناك سلسلة طويلة من الكتب لا مجال لاستعراض عناوينها، معظمها تستفيض شرحاً عن عالم الفيروسات والأوبئة من منظور علمي بحت اعتمد مؤلفوها على مسح ميداني لمواطن البيئات التي تحيا فيها تلك الكائنات الدقيقة، أشكالها وأنواعها وسلالات تطورها وتحولها، وكتب تناولت أنواع الأوبئة وأمراضها وتأثيراتها على حياة المجتمعات وأخرى رصدت فواجع الأمراض تاريخياً.
كتب متنوعة كلها تنبه بني الإنسان لأخذ مزيد من الحيطة والحذر من أخطار الفيروسات المرعبة، والتصدي لأمراضها المهلكة بالحد من انتشارها، والقضاء عليها.
أصوات تحذيرية أطلقها لفيف من العلماء لم تنقطع يوماً ولم يهدأ نداء التوعية.
وحري بنا في خضم ذكر الكتب العلمية بعناوينها اللافتة، أن نتأمل رؤية تنبؤية تتقاطع مع جهود العلماء المختصين، ولكنها من زاوية علم آخر، فقد حذر اللورد
Martin Rees مارتن ريس البريطاني عالم الكونيات والفيزياء الفلكية، المدجج بالأوسمة والجوائز، وهو من أبرز علماء الفلك في العالم، وأحد المفكرين الرئيسيين حول مستقبل الإنسانية في الكون، قدم أكثر من 500 ورقة بحثية حول موضوعات كونية تتراوح بين نظرية الثقوب السوداء إلى فيزياء الكم إلى الانفجار الكبير.
أصدر كتاباً مهماً سنة 2003 بعنوان Our Final Hour "ساعتنا الأخيرة"، وهو دعوة عامة لإيقاظ البشرية من سباتها العميق، بل هو جرس إنذار عن فداحة الأخطار المدلهمة التي يواجهها الجنس البشري في القرن الحادي والعشرين والذي يهيمن عليه تغير علمي محموم وغير مسبوق في تاريخ العلم.
كتاب بمثابة صرخة مدوية يوجهها لمن يهمه الأمر، داعياً العلماء وغيرهم لاتخاذ خطوات فعالة لنضمن بقاءنا كبشر.
ونبه ذلك في كتابه الذي يتكون من عدة فصول، فقد جاء في بداية فصل "كبح مسار العلم"، حيث يقول: "وضعت ألف دولار على الرهان التالي: أنه بحلول سنة 2020 سيقع حدث من خطأ بيولوجي أو إرهابي بيولوجي سيؤدي لقتل مليون فرد، وأنا بالطبع آمل متحمساً أن أخسر هذا الرهان، ولكنني بأمانة لا أتوقع ذلك، يتطلب هذا التنبؤ النظر في المستقبل لما يقل عن عشرين عاماً، أعتقد أن نسبة هذا الخطر ستظل عالية حتى لو حدث تجميد لأي تطور جديد، بما يجعل الجناة المحتملين لارتكاب هذه الاعتداءات الوحشية أو الأخطاء الضخمة يواصلون فحسب النفاذ إلى تكنيكات وقتنا الحالي لا غير".
كما حوى كتابه مجموعة أخطار جسيمة محدقة بنا وبكوكب الأرض.
وفي مقابلة يوم 2010/8/2 سأله ستيوارت براند، رئيس مؤسسة "لونغ ناو"، عن تنبؤه خصوصاً عام 2020، قال رايس: "آمل بشدة أن أكون مخطئاً، لكن قلقي هو أن التكنولوجيا الحيوية تتطور بسرعة كبيرة، وهناك مخاطر أكبر لحصول خطأ أو إرهاب".
وأيضاً في عام 2017 كرر مجدداً نفس النبوءة قائلاً: "خطأ بيولوجي أو إرهابي بيولوجي سيودي بحياة مليون شخص، في حدث واحد، وسوف يكون سنة 2020"؟!
إن حديث رايس الراسخ في العلم هو نبوءة علمية، أم توقع خط من كد وتعب وحساب، واستشراف للمستقبل أم هو على مقربة من خفايا الأمور؟ أي كان ويبقى السؤال، كيف أصاب تحديد التاريخ وبدقة، أعندك جواب يا عام 2020؟ فنحن نعيش بين المعقول واللامعقول، بين اليقظة والنوم، وبين الصمت وثرثرة الذهول.



