أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مشاريع الترف

عبد الله البيك · القطيف اليومالأحد 12 يوليو 2020، 8:13 ص
مشاريع الترف

قال سأنهي لك هذا العمل في أقل من ثلاثة شهور، إلاّ أنّه يضاعفها خمسة أضعاف زمناً وتعباً وجهداً وملاحقة، ترقّع فيها أخطاءه وتتقبل تسويفه وتقصيره فهو من أبناء جلدتك، وآخر تعطيه أضعاف ما يُعطى لغيره؛ فيُصورُ لك أنّه المحترف الذي لا يعلى عليه، والحرفيٌ الذي لا يجاريه أحد؛ ثم يتبين لك بعد مدة أنّه لا يتقن أبجديات الصنعة؛ بعد أن سبب لك الخسائر وضيّق عليك الآفاق والدوائر..
وما أكثر من يتعب أشد التعب في البناء والإنشاء؛ وبعد الانتهاء، يتأمل في الأخطاء الجسام في بيت الأحلام الذي دفع فيه مدخراتِه وشقاءَ عمره؛ فيرى أنَّ كلّ زاوية تذكره بنقص أو ينغص عليه من خطأ؛ لا لأنه لم يبذل وقتاً ومالاً وفكراً وتجارب؛ ولكن لأن من منحهم ثقته خذلوه، ومن بذل لهم قصّروا في إتقان العمل.
أو ليس هذا هو حال الكثير من مشاريع الإنشاء والصيانة في وطني الغالي؟!
القليل ممن يحترف مهنته ويتقن صنعته، ويخلص في عمله، ويصدق في وعده.
ثم ارمق بنظرك نحو السوق؛ فستندهش -قطعاً- من كثرة المقاهي الفارهة والمطاعم المرفّهة..
إبداع واضح هنا، وتقصير فاضح هناك..
ولعل قائلاً يقول بأن شبابَ هذا الجيل يتجه في الأعمال الحرة إلى مشاريع الترف والبذخ والتي قد تدر أموالًا سريعة سهلة، تصمد وتستمر أحيانًا أو سرعان ما يكتب لها الفشل. بيد أني أقول: ما زال الأمل في شبابنا كبيرًا في نهضة اقتصادية وقفزة تنموية.
لعلها سمة من سمات هذا العصر؛ الانكباب على الرفاهيات والغفلة عن الضروريات.. بل غالبًا، اهتمام بالمظهر وإهمال للجوهر بلا تفكير في بركة المال وإسعاد الناس بالإتقان والجودة.
نخشى -والمستعان بالله- أن يتغير الحال فتضيق الدنيا، فإن المنذرات قد حانت والعلامات قد لاحت في الأفق..
فيا شباب هذا الجيل ومن يفكر في الأسماء الأجنبية وتكثير المقاهي والمطاعم الشعبية وغير الشعبية، إن كنتم تفكرون فقط في البطون؛ فإن أصحابها إن كانوا من الأثرياء، فإن بسطوا أيديهم لزموكم فألزموكم وإن قبضوها أو غلوها إلى أعناقهم فلن تغنموا منهم بشيء، وإن كان أصحاب البطون من متوسطي الدخل فإنهم سيتعودون فترة وينسونكم فترات، أما البسطاء -دخلًا ومالًا- فلن تتشرفوا بشرف خدمتهم أو إدخال السرور بطيب طعامكم؛ إلا إذا أحبوا التفاخر حتى على حساب جيوبهم المتهرئة وآن ألا يفعلوا..
ثم ألا ترون -أعزائي- أن اللقمة الطيبة والسلعة الحميدة يزيدها سعرها المقبول المعقول طيباً وسعادةً وبركة؛ خصوصاً في زمن الغلاء وضيق المعيشة..
هنيئاً لكم، بارك الله في رزقكم ومعاشكم وأدام لكم الخير والبركة فأنتم ممن عليهم قوام الحياة وسعادة البطون!
ولكني أخاطبكم أيها الجيل المبدع.. والشباب الطامح، ألا تفكروا فحسب في المأكل والمشرب أو مشاريع الترف والبذخ..
أينكم من إتقان المشاريع التنموية والتعليمية التي تخدم البلاد والعباد..
أين إبداعكم في مشاريع الإنشاء والصيانة..
أين إتقانكم في فنون الصناعة والزراعة والإدارة..
وأينها في استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي.. أينكم.. وأينكم..
على ثقة أنكم ستتندرون من كلامي، وتنتقدون عتبي وملامي!
وتقولون بضرس قاطع: من أين لنا رأس المال الذي يطير بطموحنا ويحقق آمالنا؛ والحال كما ترى وتسمع أيها البعيد أملا والقليل عملا..
حقيقة أنا لا ألوم انفعالكم ولا أعجب من امتعاضكم؛ إلاّ أني لست بناسىٍ دور أصحاب الأعمال ومن بيدهم رؤوس الأموال من الأثرياء الأغنياء في خلق الوظائف وتمكين الشباب تخفيفاً للبطالة وإنماءً لاقتصاد البلاد وتشجيعاً للأعمال الحرّة.
معاشر الشباب..
أملي فيكم عظيم فخاطبتكم، وغصنكم طري فأمّلت فيكم، وأحسب أنّ جلّهم سيتأخر عن سماعي فقدمتكم وإن كنت أرجو ان ينتبهوا من سكرة الأسهم والعقار إلى ما ينفعهم في تلك الدار..
في زمن الإعسار يختبر الأخيار؛ فيحمدُ المبادرون ويُلامُ المقصرون وخير الناس أنفعهم للناس، وكلّنا أبناء هذا الوطن المعطاء والأرض الطيبة المباركة.
أسأل الله لنا جميعًا السعة في الرزق، والصحة في البدن، والسلامة والرخاء
في زمن البلاء..