الأسبوع الرابع: أعدائي وأصدقائي

لستُ سوى كبقية البشر، أخطئ وأصيب، وتنتابني المشاعر النفسية التي تراود الكثير، فلديّ مشكلة، وهي ان لي أصدقاء أود أن أمقتهم "أصدقائي الأعداء" كما يُسمّون، وقد يؤثرون على صحتي، لا تسيئوا الفهم، فأنا أحب هؤلاء الأشخاص، لكن كل ما في الأمر أنهم يثيرون غضبي إلى أبعد الحدود، أكثرهم سوءًا كان مغرورًا ومخادعًا وأحاديثه تغص بالإهانات المبطنة، كان دائمًا ما يجلس معي فقط ليعرف آخر أخباري ليتشمت بي، فأتذكر في أحد المواقف قد زارني أثناء مرضي في المستشفى وقال لي جملة لن أنساها ما حييت وهي: "إنني أستمتع حينما أراك مريض ونشاطك الاجتماعي متوقف"!
في الخلوة حينما استجمعت الشجاعة الكافية لتهدئة الأمور، وجدت أن كل ما تبقّى هو شعور قوي بالذنب والندم، قد تغلب على كل الأحاسيس الإيجابية التي بدأت تتفلت مني، وفي جميع الأحوال التي لم أكن فيها مادته للسخرية، كان يبدو مرحًا جدًا.
قد يكرهني الآخرون لأنني مختلف، ولكني لا أعيش وفق تقاليدهم، ولكن وفق العادات والمواريث، فهم في أعماقهم يتمنون امتلاك الشجاعة لفعل نفس الشيء.
تساءلت عن سبب فعلهم وكرههم ليّ، وحتى لمن أصادقهم، وبحثت، وتناقشت في هذا الأمر، ففلان كان والده سارقًا، وغيره كان خمارًا، ولكن عند نقاشي كانوا يجيبوني بـ"ولا تزر وازرةٌ وِزْرَ أخرى"، إلا أنني أقول قولًا مشابهًا لكلام السيدة زينب -عليها السلام- إذ أقول: "وكيف يرتجى من نبت لحمه من أموال الأيتام كيف؟"، فقد ربطت مولاتي زينب وأثبتت أن العرق دساس، إلا ا أنن البعض أصر على مبدأ "ولا تزر وازرةٌ"، ولكن كان جواب المشائخ لي جميلًا، إذ قالوا: هذا لا يعارض الآية المذكورة، وإن كان هناك مقتضيات إلا أنها لا تسلب إرادة الابن، فالمولود في بيئة منحرفة وغير أخلاقية تكون نسبة المقتضيات الفاسدة أكبر، بل يكون في كثير من الأحيان إن لم نقل الأغلب.
فكرت كثيرًا وكثيرًا في الطريقة المثلى في التعامل مع "أصدقائي الأعداء" ودحري لمقتي الشديد لهم، ولم أجد التوجه الأصح في الرد على مثل هذه الأمور، فمبدأ ينص على العين بالعين والسن بالسن، وآخر ينص على أن لكل فعل ردة فعل، وغيرها الكثير التي تستوجب دائمًا بالرد بالمثل.
وصلت في الخلوة إلى الأسبوع الثالث (أي مع ضربة أمير المؤمنين -عليه السلام-) وما زلت لم أجد حلًا لذلك، إلا أنني كنت يومًا من الأيام جالسًا مع أمي، وكانت تشاهد مسلسلًا على iFilm، فوجدت كأنه الفتاة في المسلسل تخاطبني إذ تقول: "العفو تاج المكارم، هذا من كلام الإمام علي -عليه السلام- ومعناه قمة الكرم والشهامة، نحن فيما بيننا هناك العديد من المحسنين ينفقوا أموالهم على الناس الفقراء، ويشاركوا في الأعمال ذات المنفعة العامة، هؤلاء جزاهم الله خيرًا ولكن...!".
بس يا إخوتي، المكارم التي قصدها الإمام علي ليست فقط محصورة في توزيع الأموال أبدًا، الكرم يضم العفو من الأشخاص الذي وصلك منهم ضرار كانوا بشكل مقصود أو غير مقصود، سواء بالروح أو المال أو الكلام أو أي شيء ثانٍ، فأحيانًا ونحن نسير بالسيارة يمر "سيكل" أو "ماطور" ويخدش دهان السيارة، فبدل أن نتخانق معه، ونعطل حركة السير وصالح الناس، ننزل ونقول له: الله يسامحك.
وكذلك أحيانًا أزواجنا أو أمهاتنا وأولادنا ممكن يؤذونا ويسببوا خدش في قلوبنا، وقتها ماذا سنفعل؟
بالطبع يجب أن نسامحهم، ولا نحقد أبدًا على أي أحد، بمعنى أن لا نسجل مخالفة على أي أحد ضرنا، ولكن هل غرورنا يسمح لنا؟ وإلا نحقد على أي أحد؟
نعم يسمح، فالإمام الحسين -عليه السلام- يعتبر مظهرًا كبيرًا من مظاهر الإيمان والمسامحة فيقول: "إن أعفا الناس من عفا عند قدرته"، وذلك يعني أن نعفو عند مقدرتنا فذلك من شيم الكرام، وأخيرًا سأحكي لكم عن شخص ترك وصية، عفا فيها عن قاتله، بالرغم من أنه كان مظلومًا، إنه الإمام علي -عليه السلام- فيقول إلى ابنه: "إن قاتلي مثل أسيرك الآن، فداري الأسير ورحمه".
كان ذلك كلام تلك الامرأة؛ وزبدة الجواب الذي أبحث عنه، فعلًا العفو من شيم الكرام، عندما انتهى ذلك تذكرت جملة لصديق عندما يراني غاضبًا يقولها لي وهي: "مسلم أنت مسالم"، هذه الأمور كانت كفيلة بقلع جذور المقت الذي كنت أعاني منه، وكانت نتيجة وضعي حاجزًا مع بعض "أصدقائي الأعداء" وفرزهم عن طريق اختبارهم بـ "اختبار الصداقة" وهو اختبار أشبه بما تصنيفهم من يرعى واجبات الصداقة من: مرض، وزواج، ووفاة وغيرها، ويكون من الحاضرين والمساندين لك.
هكذا صنفت أصدقائي، وإما أعدائي فلم أكون لأجعلهم يتمادون في إغضابي، ولا أعيد صداقتي معهم فكما في الحديث الشريف: "المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين" فلا أعطيهم مبتغاهم، ولكن كان مبدئي لذلك، بأن أعفو عنهم مثل ما يقال: "الباب اللي يجيك منه ريح.. سده واستريح"، فكان هذا مثال حي عن الابتعاد وتفاقم الأمر، فصرت كل شخص يؤذيني أو يغضبني، لا أتعب نفسي معه، ولا أكون سوى (غائبًا) عن حياته، فما أجمل الغياب وكأنه غربال -مشخل- يحتفظ لك فقط بأصدقائك الحقيقيين، ويخلصك مجانًا من أولئك المتشبهين، الذي يدعون الحب كذبًا وزورًا وبهتانًا.
فما هي الا تفاهة في هذه الحياة، فأنا أكرر على نفسي بأن لي أهدافًا أعمق وأكبر من الانجرار وراء العداوات والبغضاء، وإن كان العمل التطوعي مليئًا بذلك، إلا أنني أرى أنه بعد 100 عام، سنكون في طيات كانَ؛ فأنا وهم وجميعًا سنكون تحت التراب، فلماذا أكون نسخة مكررة منهم!
سوف أنام قليلًا وسأحلم كثيرًا، سيلومني الكثير على أحلامي الكبيرة، ولكني سأصحو وسط النيام، سأبرهن للناس أن الأمل شيء عظيم، وإني سأتسلق الجبل في طلب القمة، سأتعلم من أصدقائي الأعداء وإن كان القليل منها سيفيدونني؛ وذلك لأنه عندما سأوضب حقيبتي سأكون أودع الحياة، سأقول دائمًا ما أشعر به، وأعمل ما أفكر به، هناك دائمًا غدًا، ولكن ماذا لو كنا جميعًا مخطئًا؟
ماذا لو كان هذا يومي الأخير، يجب أن أقول أحبكم، وقد براءة ذمتكم فأسلكم براءة الذمة، وأنني لن أنساكم إلى الأبد، يجب دائمًا أن نضع حدًا لأعدائي، وأن أعانق، وأحتضن أصدقائي، فلماذا أحمل هم المستقبل؟! ماذا سيصبح بعد ذلك! كل ما عليّ سوى أن أفارق الدنيا وأنا إنسان قد وصلت لمرحلة السلام الداخلية وإلى النفس المطمئنة، فليس معلوم لأحد غد هو حي أو ميت، فماذا أوقف حفنة من "أصدقائي الأعداء" يوم القيامة لأمور ليس ذات أهمية، وتؤخرني عن لقاء ربي؟



