حينما يهينك «البرشلوني»

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي قبل فترة وجيزة حادثة اعتداء مواطن على مقيم في إحدى الدول العربية، هذه الحالة تعتبر من الحالات المتكررة في كل بلاد العالم، حتى تلك التي تسمى منها بالمتقدمة.
المتأمل في ردود الأفعال يلاحظ ما يمكن تشبيهه بالأزمة القومية بين الشعبين، ذلك أنَّ مستوى الشحن الذي تبديه بعض تلك التغريدات يجعل من الأنفس ملتهبة وجاهزة، حتى لدرجات ربما تكون متقدمة من العنف، هذه الحالة يمكن من خلالها استنتاج بساطة صنع الفتن بين الشعوب، وتلك القابلية التي يتمتع بها كثيرون للسير في سلسلة المتراشقين اللائذين عما يعتقدونه مقدسا، ينبغي الدفاع عنه.
الحقيقة أنَّ وسائل الإعلام المختلفة من وسائل تواصل اجتماعي إلى قنوات فضائية وغيرها، وفرت لجميع البشر فرصة إبداء الرأي، ما جعل النسبة الأعلى منهم يتحدثون ويطرحون حتى تلك الآراء، التي كانت تصنف من قبل بأنها شاذة أو ضمن الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها.
ضمن هذه الحالة ظهرت شريحة أعجبها أن تنشر الكراهية بين البشر وتقتات على الفتن وتوهين مقدسات الآخرين بشكل مستفز، هذا الأمر -في اعتقادي الشخصي- لا يمكن محاربته والقضاء عليه بواسطة المنع وتكميم الأفواه، ذلك أنَّه بمثابة المستحيل في هذا الوقت أو هو من الصعوبة، بحيث لا يبدو خيارا قادرا على حل المشكلة، الحل الذي أراه مناسبا هو السعي في إعادة تشكيل وبناء الوعي في الإنسان بحيث يمتلك من المناعة ما يجعله أقل انسياقا في أمواج المتراشقين، وأكثر كياسة في إدراك أن الكثير من هؤلاء هم صناع فتن حقيقية من الشعوب، أو أنَّهم من غير قصد وبسوء فطنتهم يساهمون في صناعة الضغائن وبث روح الكراهية بين الناس.
هذا الأمر -كما أراه- لا يتأتى إلا بإدراك الجهات التربوية المختلفة من مدارس وجامعات إلى مساجد وجهات وعظ، إلى أرباب الأسر في بيوتهم، ضرورة صناعة الوعي والحذر والكياسة في قراءة الواقع، وتجاهل تلك الأفواه التي تعمل بجد في بث روح الكراهية والدفع إلى التعصب والتراشق بين الناس.
حينما يفوز برشلونة على ريال مدريد مثلا ويكتب البرشلوني ساخرا ومتهكما على المدريديين، فستبدأ كرة الثلج في الانحدار، لينضم عشرات الآلاف من المتراشقين من الفريقين لشتم بعضهم، وحينما تحدث «هوشة» بسيطة بين كمبودي وفيتنامي مثلا، فيمكن لتغريدة تحريضية أن تبدأ بذات الأمر بين الشعبين.
وحينما يخرج مثقف وصحفي بليغ ليشتم طائفة دينية باستفزاز فستلعنه الطائفة الأخرى كشخص، وتلعن معه طائفته بأقسى صورة، وسيبتدئ التراشق غير المنتهي، كل ذلك لا يمكن إزالته إلا حينما نصنع ثقافة واعية تستطيع أن تدرك لغة الفتن، وتملك من الوعي ما يجعلها تتجاهل تلك الأبواق الناعقة ولا تمنحها أي قيمة أو اهتمام، حينذاك فسيكون لسان كل صاحب فتنة، وتغريدة كل باحث عن صنع الكراهية، أسباب تجعل القراء يضحكون على ضحالة فكر صاحبها ويتجاوزونها للبحث عما هو مفيد للقراءة والاستمتاع به.
المصدر: آراء سعودية



