وجوه لا تنسى.. ذو الابتسامة عبد الغني الناصر

قبل ثلاثة أشهر تقريبًا فقدت جدتي الحاجة زهراء العسيف (14/06/2020م)) ومازال صوت الناعي يفجعني بخالي "عبد الغني أحمد الناصر" ذاك الرجل الطيب الذي كلما مررت أمامه قام يمازحني وكان دائم السؤال عن أمي وأبي.
"غني" كنا نمازحه ويتلطف منا بهذا الاسم والمناداة، كان محبًا للناس فأحبوه لأنه عاش معهم كأي إنسان ودود ذي ابتسامة وقهقهة ضعيفة خجولة بريئة، تمثل في صورة لا تنسى وقلب كبير ونقاء سريرة وإخلاص قل نظيره، كان إنسانًا بمعنى الإنسانية لا يؤذي أحدًا، شوارع ومجالس (ديوانيات) القديح ستفتقده وسيضل جيلي يتكلم عنه وعن سلمه الذي شاهدوه حينما يريدون غضبه يريهم مرحه وضحكته.
كنا نذهب إليه مترجلين نقطع مسافة لا بأس بها لنطمئن عليه، ولست هنا أحكي حكاية تعب المشي لا. لكن أريد أن أقول: عند رجوعنا من زيارته لم نكن نحس بالمسافة أبدًا فالذهاب أشبه بالصمت والرجوع حديث ذو شجون عنه وعن حالته "تمر الخطوات كمر السحاب" أجل كان صبورًا في أعظم أزماته، زرته مع أخوتي (محمد، وجعفر، وحسين) قبل مرضه الأخير، رغم ألمه الذي كان يخفيه وراء نكته الظريفة وذكريات الأسرة التي أصبحت أحفظها عنه وبالذات عندما يعلق عن أمي - حفظها الله.
كانت الظروف أقوى من أن تحتمل والحال لا يعلم به إلا الله، عاش في كنف والدين كريمين، مجتهد جدًا في دراسته وعبقري فن "كان يحب الفن التشكيلي" وعلاوة على هذا انخرط بالنجارة وعندما تخرج عمل في سوبر ماركت "البيات" حاليًا مركز القدس بالقطيف بداية كعامل تحميل وتفريغ ولحديثه اللبق ورأي مسؤوله عنه فقد تقرر ترقيته لبائع (كاشير) حتى أصبح محاسبًا.
ولظروف الحياة وقساوتها المعيشية قرر أن يجرب رزقه في صناعية الدمام، لكن كان راتبه نصفه يصرفه على التاكسي الذي تعهده لتوصيله لأنه لم يكن يقدر أن يشتري سيارة (قرنبع) وغير مصروف زوجته وعياله، حتى أثقلت عليه الديون والمصاريف فقرر أن يعمل بالبيع كمصروف إضافي (بسطة حلويات، بيع بطاطس مقلية، بيع كباب وأوصال لحم على الجمر) قرب باب منزله، تعثرت به الحياة حتى في فترة من الفترات كان يجوب البيوتات توصيلًا بدراجة هوائية ليكسب رزقه بالحلال.
في هذه العجالة احببت أن أسلط الضوء على شخصية افتقدناها وهذا غيض من فيض لسرد حياة ملؤها التعب والشقاء، حقيقة لا أجد كلمة توفي فقيدنا الغالي حقه الذي أراه تكريما له بعد موته ليذكره الناس ويترحمون عليه.
أرى عيون أهلي ومن أحبه بإخلاص دموعهم تنحدر أسى وحزنًا عليه "عبد الغني راح" لكن لا اعتراض على قضاء الله وقدره، فالإنسان مهما عاش فلابد له من المغادرة، هنيئًا له مات صبورًا علمنا أن الحياة لا تساوي شيئًا إلا بالذكر الحسن.
افتقدناك يا خالي بأيام حزن وسنذكرك بحزن ونعرج معك بفرح كما تحب أن ترى فينا الضحكة والابتسامة، فرحمك الله رحمة الأبرار وأسكنك الله فسيح جناته إنه سميع مجيب، رحم الله من يقرأ له ولأسلافه وأرواح المؤمنين والمؤمنات الفاتحة.



