السلام على صاحب المُصيبة الراتبة

مثلما تسبق الزهرة الثمرة يسبق الإيمان العمل الصالح، وعندما يرتبط القلب المؤمن بالله تعالى ارتباطًا قويًّا تتجذر علاقة المؤمن بربه بثبات لا نظير له؛ لأن إيمانه منبثق من قوة حقيقية بعيدة كل البعد عن الاحتمالات؛ لذلك كان الإيمان الذي يجول بأرض كربلاء يهزأ بالسيوف والرماح، ويرى الكثرة والعتاد سرابًا سرعان ما تختفي عند الاقتراب من جنة الحسين عليه السلام.
انبثقت قوة المعسكر الحسيني من قوة الإيمان الذي يقف حائلًا ضد حب الظواهر الدنيوية لذلك فإنّ البعض من الباحثين في السيرة العاشورائية نفوا الكثير من الأحداث الواقعة في الطفوف لأنها تنافي سيرة الحسين وأهل بيته الذين تيقنوا من شهادتهم لوجود الدلائل التي تُشير لذلك.
إن الإيمان الذي سيّر الحسين مع أطفاله وأهل بيته إيمان نادر لا يكاد يظهر إلا من الأولياء والأئمة، وعلى الرغم من تلك المحاولات التي حالت دون ذهابه لكربلاء إلا أنه عليه السلام أراد أن يمضي في طريقه وحسم الأمر قائلًا: "ليس يُخفى عليّ الرأي ولكن لا يُغلب على أمر الله وإنهم لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي".
أما في معركته ضدهم فقد كان صبورًا، حكيمًا، الإيمان محرابه، والتضحية عبادته ولم يكن إيمانه وسيلة لطاعته لله تعالى بل هو الطاعة المطلقة ذاتها. فإذا قلّبت صفحات البلاء والمصائب التي شهدها الحسين يوم عاشوراء ستصبح الدموع أمرًا يسيرًا عندك لأنك سوف ترى مشاهد مؤلمة لا يتحملها الإنسان إلا أن إيمان الحسين عليه السلام كان قوته في تحمل تلك المصائب المتتابعة.
سيوفهم الصاخبة تذبح أولاده فيسقطون واحدًا تلو الآخر، إخوته رحلوا أمام عينيه، ومن روى واقعةالطف وكان شاهدًا على الأحداث هناك لاحظ كيف تحوّل شعر الحسين إلى قطعة بيضاء وشابت معه رموشه، وأصبح كالليث الأبيض شامخًا تذروه رياح الألم. وكيف غدت السيدة زينب سلام الله عليها امرأة مختلفة رسمت عليها كربلاء خطوط العناء فغدت امرأة مجهولة لم يعرفها حتى زوجها.
وكلما زاد مصابهم زاد إيمانهم بالله تعالى وعلت مراتبه في قلوبهم وأصبح التسليم بالقضاء والقدر أمرًا مُحببًا عندهم، لذلك كان الحسين عليه السلام يردد:
"هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ".
وكان سلامنا على الحسين في زيارتنا:
السلام على صاحب المُصيبة الراتبة.
إنّ الإيمان هو العين التي يرى فيها الإنسان تجليات عظمة الله تعالى فلا تساوره الشكوك والاحتمالات وإلا كان مثل من يعبد ربه على حرْف، قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ} [سورة الحج / 11].
فمن خسر إيمانه سوف تُسيره الظنون بالله تعالى، ويدبّ الخوف في قلبه حتى يبدو منتفضًا لاهتزاز أوراق الشجر ويشعر بجوع روحه الدائم في حين يُرى صاحب الإيمان قويّا لأن الإيمان يغذيه وينصب له مائدة وسط الصحراء القاحلة.



