أغذية محظورة شرعاً!!

الغذاء الذي هو عطاء إلهي، منّة ونعمة من الله تعالى، وسبب من أسباب استمرار الحياة، نظمه عز وجل فحلل منه ما حلل وحرم منه ما حرم.
إن من الأمور التي أشكل حكمها ما تمتلئ به أسواقنا من أغذية محتوية على إضافات مختلفة المصادر، مما يصعب الاستغناء عنها في الصناعات الغذائية، وخصوصاً في هذا الزمان الذي كثرت فيه أنواع المطاعم والمشارب، واختلط حابله بنابله، واشتبه فيه الحلال بالحرام، وكثر التجاوز من المنتجين، والتهاون من المستهلكين في التحقق من ذلك والتثبت فيه.
مع التقدم التكنولوجي أصبح هناك العديد من المكونات الغذائية المعقدة التي تستخدم في المنتجات الغذائية المصنعة بحيث أنها تستحق نظرة ناقدة، فحديثنا هنا يتركز على حليّة المواد المضافة للغذاء وكيف تنظر إليه الشريعة الإسلامية.
وقلتُ عنه الكثير الكثير مسبقاً من الجوانب الصحية والتغذوية.
المضافات الغذائية كما تعّرفها الهيئة الأوروبية هي مواد لا تستهلك كغذاء بحد ذاتها، إنما تستخدم في تصنيع الأغذية لما لها من دور في تكوين خصائص مرغوبة في المنتج الغذائي النهائي.
والجدل المثار حول حقيقة ما يضاف إلى الأغذية والتي تعطي المنتج الخصائص المرغوبة، هل فيها صفة الحلال؟
الأغذية المصنعة لا يمكن تُنتَج إلا بوجود المضافات الغذائية، التي تؤخذ من مصادر متعددة، والذي يهمنا هنا تلك المضافات الغذائية التي تحتاج إلى ضوابط وقواعد دقيقة لوجود إشكالية فيما يتعلق بحليتها مثل الجيلاتين، والأنفحة، والمستحلبات، والإنزيمات، والشحوم، وكل المضافات التي من أصل حيواني، والحكم الشرعي لها سواء ما أخذ من حيوان حلال ذُكّي ذكاة شرعية أو من حيوان محرم العين كالخنزير، ونحاول هنا التعرف على حقيقة الغذاء المصنع، وبيان حكمه من الناحية الشرعية والأدلة على ذلك.
وبادئ ذي بدء، لابدّ من التعرف على بعض المفاهيم والمصطلحات:
• مستحلب: مادة تساعد على الانتشار المنتظم لمادتين أو أكثر من المواد الغذائية غير القابلة للامتزاج، وعادة تستخلص من الزيوت النباتية أو الشحوم الحيوانية.
• جيلاتين مصنع معد للطعام: منتج غذائي معد من جيلاتين خام يتم الحصول عليه بتحويل الكولاجين الموجود في جلود الحيوانات وأنسجتها الضامة وعظامها ومصنع بطريقة مناسبة، ويجب أن يحضر من حيوانات سليمة، تم ذبحها طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
• الإنزيمات: عبارة عن بروتينات عالية التخصص تقوم بتنشيط وتحفيز التفاعلات الكيموحيوية، وتعتبر من أهم المواد المساعدة المستخدمة في صناعات الأغذية، ويمكن إنتاج الإنزيمات باستخدام التقنية الحيوية، وذلك بواسطة كائنات حية دقيقة معدلة وراثياً، ولها دور هام في تصنيع الأجبان على نطاق واسع.
• للتحقق من سلامة وحلّية تلك المضافات؛ يجب أن تكون الإرسالية مصحوبة بشهادتين معتمدتين ومصدق عليهما من الممثليات الخليجية أو من ينوب عنها تثبت أن ذبح الحيوان قد تم في مسلخ رسمي طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وكذلك تثبت خلوه من الأمراض.
• يجب أن يوضح على عبوة المادة الغذائية مصادر الإضافات (GSO 1340/1999 الجيلاتين المعد للطعام).
وانطلاقاً من تلك المفاهيم التغذوية، أقول إن الغذاء الحلال يتطلب التأكد من سلامته وجودته وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، فلذلك يجب أن يكون مكوناته صحية ومغذية وآمنة للاستهلاك، وغير خطرة على الصحة، وتم تجهيزه وتخزينه بطريقة صحية والتعامل معه بطريقة تضمن هويته وليس مختلط مع منتجات غير حلال قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} سورة البقرة آية 168.
وقد صنف الغذاء في الإسلام صنفان: الأول: الغذاء الطيب الذي أبيح لنفعه لبدن متناوله، وكان فيه فائدة مقصودة شرعاً، والصنف الثاني: الغذاء الخبيث الذي حرم لإضراره ببدن متناوله وعقله، وخلا من المنافع.
ولدينا من القواعد الدينية ما يدفع عنا الخطر بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} سورة البقرة، الآية (172).
والأصل في الأغذية الحل والحرمة فيما ورد الدليل بتحريمه والدليل قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة الأنعام، الآية (145).
نرجو أن نستفيد من هذا الأمر بالآيات الكريمات التي تعتبر الركيزة الأساسية للشريعة الإسلامية؛ أساس قوانين أغذية الحلال، التي ركزت على الطيبات وحرمت الخبائث.
الطرائق والمعايير المستخدمة دولياً في الذبح والتجهيز والإنتاج لمختلف اللحوم والدواجن وما إلى ذلك، لا يمكن القبول بها ويحرم تناولها، وينطبق ذلك على ما يستخلص منها.
إن منتجات الألبان مثل الأجبان لا يمكن إنتاجها دون استخدام مضافات غذائية معينة أثناء عملية التصنيع، يستخدم إنزيم الكايموسين "المنفحة" في تحويل الحليب إلى خثرة اللبن وهي خطوة أساسية في مرحلة التصنيع، إن مثل هذا المكون قد يتم اشتقاقه من أمعاء عجول غير حلال، وقس على ذلك فإن الجيلاتين الذي لا يعرف مصدره يدخل ضمن مكونات صناعة الآيس كريم والزبادي والحلويات الجيلية أو الهلامية والمارشملو المعدة للأطفال كعنصر يؤدي إلى زيادة القوام.
كما تستخلص بعض الإنزيمات مثل إنزيم (ثرومبين Thrombin) من دم الأبقار أو الخنازير.
والوسيلة لرفع إشكالية الصفة الشرعية من تلك المضافات هي أن تكون من مصادر نباتية، وتؤدي نفس الوظيفة، وهنا يكون دور شركات التصنيع في توفير البدائل الآمنة مثل استخدام "الكاراجينان، آجار آجار" وهي أعشاب بحرية، وكذلك البكتين، والنشا، وهناك جيلاتين السمك، هي بدائل أفضل، وهذا مباح.
في العصر الحالي توسعت استعمالات المضافات الغذائية في صناعة الأغذية الخفيفة، والمشروبات بأنواعها والحلويات والجيلي المعدة للأطفال، ومنتجات الألبان، والمثلجات، والزبد الصناعي، استخدمها البعض وسيلة للغش وتغطية الممارسات المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.
أصبح من الصعب التأكد مما يحتوي الغذاء، ومن المعلوم أن بطاقة الأغذية الموجودة على العبوة مؤشر لما في الداخل مع أنه قد يصعب فهم ما يحتويه أحياناً، وأصبح من الصعب التوضيح للمستهلك عن كل ما يحتويه، وكيفية تجنب الأغذية التي قد تحتوي على المحرمات، والنتيجة هو التشكيك في حليتها، وعدم الثقة بها، ومن ثمّ فإن ذلك يصبح في حكم المحظور شرعاً.
بإلقاء نظرة عامة عن الأغذية الطبيعية الملوثة بإضافات من مشتقات لحوم الحيوانات الميتة أو دماء جميع الحيوانات أو لحوم الخنزير أو لحوم الحيوانات أو الطيور أو الكائنات الحية الأخرى المحرمة؛ يجعل الأغذية الحلال أغذية محرمة.
شركات التصنيع الغربية وحتى في البلدان الإسلامية لا تستطيع تجنب الإضافات المحرمة كون معظمها تصنع من مواد خام أساسية في التصنيع الغذائي، وتشكل خلاصات ومركزات؛ مما يجعل فهمنا لكيفية صنع الأغذية الحلال صعب.
وبحجة التغلب على مشاكل التصنيع الغذائي يلجأ بعضهم إلى استخدام مساعدات التصنيع أو المكونات الخفية، ونظراً لأنها مساعدات التصنيع فهي تعفى من إدراجها في بطاقة المكونات بسبب تأثيراتها التقنية أو الفنية في التجهيز لكنها تبقى موجودة في الغذاء النهائي ولو على مستويات ضئيلة، وتعتبر هذه معضلة للمستهلكين حيث إنهم لا يعرفون ما إذا كان الغذاء الذي خُفيت بعض مكوناته حلالاً أم لا.
وفيما يتعلق بالغذاء الحلال واستهلاكه، تحتم الحاجة الكبيرة لوجود شهادات حلال من هيئات معتمدة مانحة لمثل هذه الشهادات، ولا يكفي ذلك من إخضاع بعضها للفحص للتأكد من حلّية الغذاء ومصداقية الشهادة.
شهادات الحلال المرفقة مع مستندات الإرسالية لا تزال تواجه عقبات وعوائق ونقص اهتمام، كما أن وجود شعار الحلال بشكل عشوائي على المنتج من دون تصديق من طرف معتمد، يفرض علينا المزيد من الأعباء والتحديات، علماً أن هناك شركات تمنح شهادة حلال أنشئت لتكون جزءاً من ممارسات الغش والتزوير، وهي تمثل تجارة وتقديم خدمات، مهمتها إصدار مثل تلك الشهادات، ويظهر أن سوق إصدار شهادة الحلال لا تستطيع أن تحل معضلة الغموض في حلية المواد المضافة.
على بطاقة الأغذية وضمن المكونات نقرأ عبارة "جيلاتين بقري حلال" و"منفحة عجل حلال" و"منفحة ميكروبية" و"مستحلب الليستين من فول الصويا" وغيرها كإشارة إلى حقيقة هذا المضاف أو يراد منه الإيحاء للمستهلك بأنه منتج وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
الأمر الذي لطالما فتح الأبواب واسعة أمام معظم الشركات المنتجة لتمارس الخداع، ولكي تنتهي تلك الأكاذيب الفاضحة لابد من إخضاع مثل تلك الأغذية للفحوصات المخبرية بشكل دوري لضمان حليتها.
اختبار المنتجات الغذائية لغرض وضع العلامات والتوثيق ضروري لتجنب المنافسة غير المشروعة وضمان حماية المستهلك من الممارسات الاحتيالية في الطعام، وخصوصاً من ناحية شرعية، حيث تحدث بشكل متكرر من خلال النتائج المخبرية التي أظهرت حالات تلوث بمشتقات الخنزير، وهو مصدر قلق كبير من الجهات المعنية بحماية المستهلك.
بعض الناس يفضلون شراء الأغذية المستوردة على أساس المصدر، وعموماً فإن اختيار هذا المعيار في قرار الشراء لا يعكس جودة وسلامة المنتج شرعاً لكون التصنيع الغذائي يعتمد على مواد خام مختلفة قد لا تتوفر في البلد المنتج، ومستوردة من دول متعددة، قد لا تتوافق مع الضوابط الشرعية، فالسلوك الشرائي على أساس المصدر يمكن أن يقودنا إلى القرار الخاطئ.
تستورد المملكة العربية السعودية جزءاً من غذائها من خارج حدودها، والتي في أغلبها من دول غير إسلامية، الأمر الذي يتطلب التأكد من أن الغذاء المورد إليها يتوافق مع توجيهات الشرعية الإسلامية، لذا فإن الجهات الرقابية والشرعية في الدولة تكون مسؤولة عن وضع ضوابط ولوائح ومتطلبات كفيلة بضمان توفير الغذاء المباح الذي يحقق مقصود الشارع من حفظ الصحة والنفس والمال.
إذن، حين نتعامل مع الغذاء المصنع فإننا لا نتعامل مع غذاء طبيعي مكون من مادة واحدة معروفة، وإنما مع مجموعة متنوعة من المكونات منها ما ذكر على بطاقة المنتج صراحة، ومنها ما هو خفي بحيث يصبح من المستحيل على المستهلك أن يحمي نفسه من تلك المضافات.
الإشراف والرقابة على الأغذية الحلال في جميع مراحل التصنيع الغذائي يشكل تحدياً في عصرنا الحالي.
ينبغي من الجهة المعنية على الغذاء المستورد ممثلة في مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء إجراء مسح دوري من حين لآخر لرصد منتجات الخنزير في الأغذية لضمان خلوها من المحرمات.
اليوم لا بد من الإشارة هنا إلى أهمية الفحوصات المخبرية والمراقبة الدورية للأغذية المعالجة صناعياً، ليس فقط من أجل جودتها وسلامتها ومأمونيتها، وإنما ساعدت في تحديد مصدر الإضافات الغذائية، ومن ثم حلّيتها؛ فمظهر الغذاء ورائحته وطعمه، تلك علامات جيدة لكنها تختفي تلك الخصائص المرغوبة أمام عدم سلامته من الناحية الشرعية.
مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء بجميع إمكانياتها تواجه الكثير من التحديات نتيجة الكم الهائل من الأغذية المستوردة ودخول معظمها ضمن دائرة المنتجات التي تحتوي على إضافات مصدرها حيواني والتي قد تكون حلالاً أو حراماً تبعاً لتعاليم الشريعة الإسلامية.
تم تجهيز جميع مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء بالعديد من الأجهزة التحليلية المتقدمة وتطبيق التقنيات الحديثة للاستعانة بها كمجسات حساسة للكشف الدقيق عن مدى حليّة الأغذية.
ولضمان مطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية، أصبح لزاماً إخضاع معظم الأغذية المستوردة لفحص الـ (PCR)؛ من خلال هذه التقنية العلمية الحديثة تم الكشف على المواد المحرمة في الأغذية ومن ضمنها مشتقات الخنزير عن طريق فصل الحامض النووي DNA من الخلايا الحية والتعرف عليه؛ والتأكد من حليّة ما يتم تصنيعه.
وبالتالي تصبح شهادة الحلال فقط لاستكمال آليات الفسح.
رغم قيام الجهات الرقابية على الغذاء الحلال بوسائل فعالة للكشف عن المواد الحرام، إلا أنها غير كافية أمام حجم الاستيراد، وفي فترة سابقة لاحظنا عدم فسح بعض العلامات التجارية من حلوى المارشملو والنودلز من دول شرق آسيا كدليل على التتبع ووجود التدابير اللازمة لمنع دخول وتداول تلك المنتجات المحظورة شرعاً في أسواقنا المحلية.
هذا جانب، أما الجانب الآخر، فمعظم حلويات الأطفال تحتوي على إضافات مصادرها حيوانية، أطفالنا يقبلون على تناولها وخصوصاً أن أغلب الحلويات على شكل مادة جيلاتينية أو هلامية محلاة، وينظر إليها بشهية، لذلك تظهر أهمية برنامج المراقبة الأبوية، وترسيخ الثقافة الصحية، نعودهم على العادات الحسنة في تناول ما أحله الله عز وجل من الطيبات والبعد عن ما هو خبيث.
نخلص إلى القول: الموضوعية تقتضينا هنا أن نشير إلى تجنب شراء الأغذية التي تحتوي على مواد جيلاتينية أو انزيمات أو مستحلبات ودهون لم يوضح مصادرها ضمن بيانات المنتج، والابتعاد قدر الاستطاعة عن الأغذية التي تحتوي مكوناتها على مضافات غذائية مصدرها حيواني، فتركيب الأغذية ومزجها بما يضاف إليها من مضافات قد لا تخلو من مكونات محرمة شرعاً.
لا تحرم الشريعة شيئاً من الغذاء إلا لحكمة رحمة بالإنسان وحماية له من الضرر المترتب على الغذاء المحرم، والإفصاح من الجهات الرقابية ومفتشي الهيئة العامة للغذاء والدواء عبر وسائل الإعلام عما فيه ضرر من الأغذية ولمن يعلم بذلك؛ فهو واجب شرعي.
ومتى وجد المستهلك منتجاً يشك في حلّيته، فتناوله قد يترتب عليه أثر صحي حتى وإن لم يكن مرتكباً للحرام.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



