خواطر لابد منها.. خاطرة ٢٤ / ٢

حقوق الرعية.. حق الزوج
قد اتضح مما تقدم في الخاطرة السابقة أنَّ للزوجة حقوقًا على زوجها فكما لها ذلك فعليها تجاه زوجها أيضًا فنعني بذلك أنَّ الحقوق متبادلة بين الزوجين فيؤدي الالتزام إلى خلق جو تسوده المحبة والوئام ويسوده وحدة اجتماعية تخلق جيلًا صالحًا بخلاف ما لو تم الإخلال بهذه الحقوق من الجانبين أو جانب فسيؤدي إلى آثار وخيمة لا تُحمد عقباها تدمر الترابط الاجتماعي بأسره لأنَّ أثره سيمتد للمجتمع بأكمله وليس مختصرًا على الأسرة وما ينبغي معرفته هو أنَّ حق الزوج على زوجته من أعظم الحقوق فلذلك ينبغي للمرأة أنْ تتعرف على الحقوق الملقاة على عاتقها وبالمراعاة تتحقق الغاية المرجوة من هذا الارتباط كما تقدم وقلنا.
"هي رفد هذه الحياة بالتناسل لإيجاد جيل يتباهى به الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأشارت بذلك الروايات الشريفة المباركة المتقدمة في الخاطرة المتقدمة".
قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ}. [سورة النساء: الآية ٣٤].
* تبصرة:
نلاحظ أن الآية الشريفة المباركة ذكرت مفردة القوامة {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}.
بعد النظر إلى أن الأسرة وكما تقدم سابقًا وقلنا إنها وحدة اجتماعية صغيرة - بخلاف المجتمع فهو وحدة أسرية كبيرة تحتاج إلى قيادة تحمل على عاتقها مسؤولية هذا المجتمع الكبير - تحتاج إلى قيادة يقوم بمسؤوليته تجاه الأسرة وحيث إن القيادة لابد من أن تكون متمثلة في فرد واحد ولا مانع من أن يكون الآخر مساعدًا ومعاونًا للقائد والذي نريد أن نقوله هو أنه لابد من الاستقلالية في القيادة والطرف الآخر يكون مساعدًا ومستشارًا له.
مما مضى نلاحظ أن القرآن الكريم قد أعطى مقام القوامة للرجل التي هي القيادة لتمتعه بأمور ذكروا منها:
١ - ما يتمتع به من ترجيح جانب العقل.
٢ - ما يتمتع به من البنية الداخلية والقوة البدنية.
والحكمة في ذلك:
في الأولى قوة التفكير والتخطيط لما له من رجاحة العقل.
وفي الثانية القوة المدافعة عن الأسرة.
واستحقاقه لذلك من تفوقه التكويني على المرأة وأيضًا نتيجة ما يتحمله من مهر ومن نفقات كالنفقة على الزوجة والأولاد كتوفير المأكل والمسكن واللباس وهذا ما يتكفله الرجل من ما يجب عليه فمن كان كذلك تناط إليه القيادة والقوامة.
بخلاف المرأة فهي تتميز بصفات ذكروا منها:
١ - تغليب جانب العاطفة والأحاسيس والمشاعر فهي تتمتع بطاقة فياضة في ذلك.
والمرأة بالمنظور الإسلامي فهي لا تتحمل أي نفقة تجاه زوجها وبيتها وأولادها فهي في راحة من ذلك.
وهنا أمر مهم ينبغي للزوج معرفته وهو أن القيمومة لا تعني التسلط والتحكم لا ولا التعامل القسري والمهين مع الزوجة ولا الانتقاص من مكانتها وشخصيتها لما فيه من تصادم مع حقها في المعاشرة بالمعروف.
قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
نعم الانقياد والطاعة للزوج في ما يرتضيه الشارع المقدس وما يرتضيه العقل لا ما ترتضيه النفس الأمارة بالسوء فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}.
عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) - في كتابه إلى المأمون - قال: "وبرّ الوالدين واجب وإن كانا مشركين، ولا طاعة لهما في معصية الخالق ولا لغيرهما فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
عيون أخبار الرضا عليه السلام. ٢ : ١٢٤.
نكرر ونقول: أيها الرجل أيها الزوج المبجلّ فلتعلم أن المرأة ريحانة رقيقة لا صلابة ولا حزم ولا إرادة لديها وإنما تملك العطف والحنان فأنت السياج المنيع الذي يصد عنها رياح الصعاب لتبقى كما خلقها الله فأنت الذي تملك القوة والإرادة وأنت الذي لديك الاستعداد الكامل لتكون سدًا منيعًا لها.
حقوق الزوج على زوجته في مدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين.
مراعاة المرأة لحقوق زوجها يمثل جنبة مهمة لأن ذلك يعد من أهم الدعائم لبناء حياة ملؤها الوئام والاستقرار.
ولذلك ينبغي للمرأة أن تتعرف على تلك الحقوق الملقاة على عاتقها من قبل الشريعة الغراء حيث ورد أن المرأة لا تؤدي حق الله حتى تؤدي حق زوجها فكما أن الرجل ملزم بأداء الحق فهي كذلك.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "لا تؤدي المرأة حقَّ الله عز وجل حتى تؤدي حق زوجها".
من الحقوق على نحو الاختصار نذكر منا:
* حق الطاعة:
روى الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة؟ فقال لها: تطيعه ولا تعصيه". بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ١٠٠ ص ٢٤٨.
محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحجت بيت ربها وأطاعت زوجها وعرفت حق علي فلتدخل من أي أبواب الجنان شاءت". الفقيه ٣: ٢٧٩ / ١٣٣٢.
ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح مثله. الكافي ٥: ٥٥٥ / ٣.
محمد بن علي بن عثمان الكراجكي في كتاب (كنز الفوائد) عن أبي الحسن بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب قال: "سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول - في حديث-: "ملعونة ملعونة امرأة تؤذي زوجها أو تغمه، وسعيدة سعيدة امرأة تكرم زوجها ولا تؤذيه وتطيعه في جميع أحواله". كنز الفوائد: ٦٣.
والروايات في ذلك كثيرة ث.
* حق التمكين:
وأما حق التمكين في الوقت الذي لا يكون عندها مانع شرعي يمنع من تمكينها له بل ورد أنه يستحب للزوجة أن تبادر لتلبية ذلك.
عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الجاموراني، عن ابن أبي حمزة عن عمرو بن جبير العزرمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاءت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة؟ قال: أكثر من ذلك "١" فقالت: فخبرني عن شيء منه فقال: ليس لها أن تصوم إلا بإذنه يعني تطوعًا ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه وعليها أن تطيب بأطيب طيبها وتلبس أحسن ثيابها وتتزين بأحسن زينتها وتعرض نفسها عليه غدوة وعشية وأكثر من ذلك حقوقه عليها". "١" أي حقوقهم أكثر من أن تذكر. الكافي الشيخ الكليني ج ٥ ص ٥٠٨
وعنه، عن الجاموراني، عن ابن أبي حمزة، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "أتت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: ما حق الزوج على المرأة فقال: أن تجيبه إلى حاجته وإن كانت على قتب ولا تعطي شيئًا إلا بإذنه فإن فعلت فعليها الوزر وله الأجر، ولا تبيت ليلة وهو عليها ساخط".
الكافي الشيخ الكليني ج ٥ ص ٥٠٨
* حق الرفق بالزوج:
ينبغي أن ترفق بزوجها وألا تطلب منه فوق طاقته وما لا يطيق تحمله في أمور المعيشة ولا يعني ذلك أن يقتر الزوج على زوجته وعياله في حال قدرته ووسع حاله فإذا كان غنيًا استحب له أن يوسع على عياله.
روى الصدوق في أماليه في خبر المناهي: "... ألا وأيما امرأة لم ترفق بزوجها وحملته على ما لا يقدر عليه وما لا يطيق لم تقبل منها حسنة وتلقى الله [وهو] عليها غضبان".
أمالى الصدوق ص ٤٣٠، بحار الأنوار العلامة المجلسي ج ١٠٣ ص ٢٤٤.
* حق عدم الإيذاء وسوء الخلق:
عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "أيما امرأة قالت لزوجها: ما رأيت قط من وجهك خيرًا فقد حبط عملها".
علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: "سألته عن المرأة المغاضبة زوجها هل لها صلاة أو ما حالها؟ قال: لا تزال عاصية حتى يرضى عنها".
محمد بن علي بن عثمان الكراجكي في كتاب (كنز الفوائد) عن أبي الحسن بن سلمان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول - في حديث: "..... ملعونة ملعونة امرأة تؤذي زوجها أو تغمه، وسعيدة سعيدة امرأة تكرم زوجها ولا تؤذيه وتطيعه في جميع أحواله". [كنز الفوائد: ٦٣].
ما ذكرناه في الخاطرتين هو على نحو الاختصار حيث إن هناك الكثير من الحقوق التي ينبغي للزوج والزوجة معرفتها وهي مذكورة في الكتب الحديثية والفقهية.
فخلاصة القول:
إن السعادة الحقيقية في الأسرة مرهونة بالتفاهم وجعل المشتركات السبيل بينهما وتقبل الاختلاف والتغاضي والعفو فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "العفو عند المقدرة من سنن المرسلين والمتقين".
فمن ذلك يتحقق الانسجام بين الطرفين فتسكن الثقة والاطمئنان في القلوب لتستقر الأسرة في جو ملؤه الصفاء والود والسرور.
ختامُا لا ننسى الآية الشريفة المباركة التي ينبغي أن نضعها نصب أعيننا فلا نكون ممن رفع الجعل الإلهي وهما المودة والرحمة.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.



