أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة (47)

عبدالعظيم شلي · القطيف اليومالسبت 19 سبتمبر 2020، 6:23 ص
تنبؤات درامية أم سينما متواطئة (47)

إن رواية "عيون الظلام - 1981" أثارت جدلاً واسعاً خلال الشهور الماضية لوصف ما جاء فيها، ومدى أوجه التطابق بين المتخيل المكاني، وبين المنبت الفعلي في تفشي وباء 2020 الفتاك الذي قضى على بشر في غضون ساعات وبالآلاف ولم يزل يحصد الأرواح تلو الأرواح!
تدور فكرة الرواية بإيجاز حول الأم تدعى "كريستينا ايفانز" التي تتوجه إلى الصين لتتأكد بنفسها عن مصير ابنها "داني"، هل صحيح بالفعل وافاه الأجل في رحلة تخييم، أم أنه كما تشير رسائل مشبوهة ما زال على قيد الحياة، وبالفعل بعد بحث مضنٍ تنجح الأم في تعقب ابنها الذي كان محتجزاً داخل منشأة عسكرية بعدما أصيب عن طريق الخطأ ببكتيريا تم تطويرها داخل مركز الأبحاث في مدينة ووهان!
ويتصاعد إيقاع الرواية بالانتقال لشخصية مثيرة، إلى عالم صيني منشق عن بلاده اسمه "لي تشن" فر هارباً والتجأ للولايات المتحدة، وهو يحمل قرصاً مرناً لتخزين البيانات "Floppy disk" يحتوي على كل المعلومات
عن أهم سلاح بيولوجي حيوي تملكه الصين، ويعد الأخطر خلال القرن الماضي، أطلق عليه أسم "ووهان - 400 "، سلاح طور في مختبرات الحمض النووي بعد إجراء تركيبات معدلة ومخصبة كيماوياً، قام به علماء صينيون داخل معامل تقع في مدينة ووهان.
نخرج من عالم الخيال ونرى أن المدينة التي قصدتها الرواية هي نفسها تماماً البؤرة التي بدأ منها انتشار الفيروس المستجد.
رواية تم الترويج لها مؤخراً على نطاق واسع، والمثير للاهتمام والذي يضع ألف علامة استفهام حول الرواية فقد تم التحقق من طبعاتها الأولى مقارنة بالطبعات اللاحقة، وجد أن الاسم مختلف تماماً، كان اسم الفيروس في الطبعات الأولى "غوركي400"، وهو اسم مدينة روسية كانت في الأصل مختبراً للأسلحة البيولوجية! لكن وبعد أن أفلت شمس الاتحاد السوفيتي وتفككه سنة 1991، تغير الاسم إلى "يووهان 400"، المجهز في مختبرات مدينة يووهان الصينية وليست السوفيتية كما كتبه الكاتب في الأساس.
أسئلة تتداعى، لماذا وقع تغيير الاسم وكذا اسم العالم المنشق؟ يقال: لتظهر الصين بمظهر الشرير في نظر العالم بدلاً من الخطر السوفيتي السابق، وسؤال آخر من الذي تلاعب في تغيير اسم المكان، الناشر، المؤلف، أم أيدٍ استخباراتية خفية؟ وكيف لرواية أن تتوقع وباءً سيكون كارثياً على الجنس البشري ويتقاطع توصيفاً مع الفيروس وذلك قبل 40 عاماً، ما هذا الترصد والتعقب المغالي لدول بعينها دون غيرها، هل هي نبوءة كاتب، أم نص رواية موجه نحو عدو محدد، أم المسألة حرب أيديولوجية تحول مسارها من وجهة سوفيتية إلى صينية.
من الذي اقتحم سور الصين العظيم في هذا الزمان بفيروس طروصيني
بالأمس سعوا للقضاء على امبراطورية الشر (الاتحاد السوفيتي) حسب توصيف الغرب واليوم يجب القضاء على التنين الأصفر! وتدور التساؤلات وتتراشق الاتهامات، وتتناثر التحليلات، والسؤال الحائر ما هو مصدر منشأ الفيروس هل جاء صدفة بالفعل من أسواق اللحوم الغريبة وفي مدينة يووهان تحديداً، أم نتيجة خطأ في معمل بيولوجي مثل ما أشيع، أم أن الفيروس أطلق بشكل خفي لينتشر أبان وقت استعدادات ملايين الصينيين لقضاء عطلة رأس السنة القمرية الصينية الجديدة!
إنه لأمر محير أن يأتي الفيروس مرتين ولعامين متتاليين، فقد جاء الوباء خلال العام الماضي 2019 بعد أن أعلن عن فيروس يسمى كورنا في ذات المدينة الصينية ووهان، لكن اكتشف سريعاً وتم السيطرة والتغلب عليه ولم يأخذ مساره انتشاراً كما هو حاصل هذا العام، لو حدث العام الماضي لأفسد احتفالات الحكومة الصينية بمناسبة مرور 70 عاماً على نهضة الصين الحديثة (1949-2019)، حيث أقامت الصين كرنفالات ابتهاجاً بعيدها 70، تمجيداً لذكرى ثورتها الكيرى التي قادها "ماو تسي تونغ " والذي أعلن عام 49 عن تأسيس جمهورية الصين الشيوعية الشعبية.
أصحيح الصين اليوم هي المستهدفة؟ ومستهدفة من قبل من ؟ من نفسها وهي لا تدري أم من بعض شعوب قومياتها الساعين للانفصال عنها "التبت، اليغور، التايوان وغيرهم"، أم من جيرانها الذين يكنون العداء التاريخي لها، أم من الذي لا يريد أن يراها تنافسه في كل شيء، بعد أن أصبحت نداً له، تنازعه على تسيد العالم تكنولوجياً وعلمياً واقتصادياً وعسكرياً، أيترك المارد الصيني يتوغل في كل القارات والمحيطات ويغزو كل الأسواق وفي عقر دار العم سام؟
إذاً لابد من الإطاحة به بشتى السبل، أيها الفيروس القاتل اخرج من مكمنك ودمر الأعداء وما الضير لو أصيب الصديق والحليف وحتى الأقربون من أبناء الوطن الواحد، فالشبهة سوف تبتعد عمن هو الفاعل، إذاً لتزداد الجرعة جرعات ليكون المفعول هذه المرة أقوى من ذي قبل، وهكذا أتى الوباء هذا العام 2020 مزلزلاً، مدمراً قاتلاً، مميتاً، ظن من أوجده بأن انتشار خطره سوف يكون ضمن نطاق مساحة جغرافية محددة ولن يتجاوزها، لكن الوباء انتشر كما النار في الهشيم، فلت الزمام وعم العالم كله حتى وصل إلى باب دار الفعلة الفاعلة، سحب البساط من تحت أرجلهم المرتعبة، جسد يكيل التهم كل يوم ليبرئ ما سببته يداه الخربة.
لم تزل استراتيجية ميكافيلي حاضرة في كل زمان ومكان.
يقول :"ايان بريمر" كبير الاستراتيجيين في مجموعة أوراسيا وهي شركة رائدة في مجال المخاطر السياسية: (بقدر استعداد الأمريكيين لحرب باردة في مواجهة الصين للتكنولوجيا، يبدو أن الأمر في الوقت الراهن يشبه حرباً باردة ثنائية بدلاً من حرب عالمية).
بالأمس كانت الحرب الباردة في القرن المنصرم موجهة بضراوة نحو الاتحاد السوفيتي وفي النهاية أطيح به بعد مرور 70 عاماً على قيامه، والآن حرب باردة أخرى مستعرة باتجاه الصين الشعبية، حان الوقت بعد مرور 70 عاماً على تأسيسها في القضاء عليها بشتى السبل!
أمن المعقول أن يحجر على المارد الصيني عن بقية العالم ووضعه في القمقم ليعود كما كان قبل عام 1949؟! أم بات حدس المتربصين مخيباً للآمال؟
من يشاهد فلم "العدوى -Contagion" الذي أنتج عام 2011، والذي رسم واقع الحال، فقد أبرز وباء خطر سينتشر ويقضي على ملايين من سكان العالم، والمسبب الوحيد الخفافيش في سوق الحيوانات في الصين! ولماذا الصين؟ علماً بأن جنوب دول آسيا يوجد بها مثل هذه الأسواق الخاصة بأكل الحيوانات البرية الغريبة.
أي تنبؤ أرشدنا به كاتب أمريكي لروايته "عيون الظلام" التي كتبها منذ 40، وأية أفلام أرسلتها ماكينة الإنتاج المبرمجة باستهدافات مقصودة باسم الفن وحماية الإنسانية من أخطار المارقين.
متى تكف سينما هوليوود عن خلق الأوهام الدرامية والخدع البصرية، أم أنها ستواصل تواطؤها مع دهاقنة الساسة والعسكر.