صحتك النفسية لا تقل أهميةً عن صحتك الجسدية

الصحة نعمة عظيمة وهبها الله عز وجل للإنسان، وعظمتها تكمن في خفائها، حيث إننا لا نعلم بأهميتها إلا إذا فقدناها، عن الإمام الصادق (ع): "العافية نعمة خفية، إذا وجدت نسيت، وإذا فُقِدت ذكرت".
وعندما نذكر موضوع الصحة، يتبادر إلى أذهاننا الصحة المتعلقة بأجسادنا، فأغلبنا يعمل جاهداً لكي يتفادى الأمراض والأوبئة عن طريق التزامه بأساليب وقائية وتحسينية، وإذا شكونا شيئاً يُعرِّض صحتنا الجسدية للخطر، لا نتردد في طلب المساعدة من الأطباء المختصين.
ولكن، نكاد ننسى أو لا ندرك تماماً وجود بُعد آخر للصحة وهي الصحة النفسية. فهذين البُعدين، الصحة النفسية والجسدية، وجهان لعملةٍ واحدة ومكمٍّلان لبعضهما البعض، فلا يمكن نسيان أحدهما أو التقليل من شأن واحدٍ مقارنةً بالآخر. وبالطبع، كما أن قلة الصحة الجسدية ينتج عنها أضرار جسيمة في حياة الإنسان، فكذلك الصحة النفسية تكون نتائجها وخيمة وقد تدمر حياة الإنسان وحياة المقربين منه.
وبالطبع، صحتنا النفسية معرضة للضرر في كل الأوقات، وهذه الأضرار أسبابها كثيرة وقد تحدث لنا جميعاً بلا استثناء.
وتتلخص تلك الأسباب في الأحداث والمواقف والتجارب التي نمر بها ونعيشها يومياً، بعض هذه الأحداث تكون مؤلمة فتؤثر فينا سلباً وترينا صدمات قاسية وليس لنا أي ذنب في حدوثها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعضنا يتعرض للظلم والإيذاء من أشخاص مختلفين، بعض هؤلاء الأشخاص للأسف يكونوا ممن نثق بهم من أفراد العائلة أو أحد المقربين منا كالزملاء أو الأصحاب، والبعض الآخر من يمر بتجارب غير موفقة في دراسته، أو حياته الزوجية أو الأسرية، أو في مختلف جوانب حياته.
ولكن للأسف الشديد، ثقافتنا تجاه الصحة النفسية ضئيلة أو معدومة، حيث إن أغلبنا لا يعير أي اهتمام لسلامة هذا الجانب من نفسه وحياته، ولا يسعى لطلب المساعدة. بل إذا كان أحدنا يشعر بأنه يعاني من أمرٍ ما، يتمادى ويصرّ بأنه لا يشكو من اضطرابات أو عُقد نفسية جهلاً منه بوضعه أو بوجود صحة نفسية للإنسان، أو خوفاً من اعتقادات الناس وكلامهم نحوه كمن يخاف أن يُطلق عليه "المريض النفسي أو المجنون!".
وهنا عزيزي القارئ لابد أن نبدد هذا الإشكال بنقطتين؛ أولاً: ليس كل من يلجأ للاستشارة النفسية مجنون، فكما نبتلى بوعكات صحية خفيفة في أجسادنا كمثل نزلات البرد، أيضاً من الممكن أن نتعرض بين الفينة والأخرى لبعض الأزمات والاضطرابات النفسية والتي تعتبر طبيعية وخفيفة مقارنةً بغيرها من الحالات النفسية المتقدمة.
ثانياً: لماذا نخاف من تعبير "الجنون" بهذا الحد الكبير؟ دعني أسألك سؤالاً آخر عزيزي القارئ، ما هو تعريف الجنون؟ الجواب: بكل بساطة، الجنون هو عدم القدرة على السيطرة على العقل، فمتى ما تجاوز المريض العقبة التي تمنعه من السيطرة على عقله عبر توجيهه ومساعدته وعلاجه، أصبح قادراً على السيطرة وكان حاله حال جميع الناس الذين مرِضوا وتشافوا من أمراضهم، فلماذا يوجد بيننا هذا الخوف الكبير من هذا الأمر والذي يمنعنا من اللجوء للمساعدة؟! ولماذا كل هذا التهجم على هؤلاء المرضى المساكين لدرجة أننا جعلناهم "فضائيون"، وليسوا بشراً يحتاجون للمساعدة!
ولهذا إخواني الأعزاء، بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية والمصادف يوم غداً السبت (١٠ أكتوبر)، أدعو نفسي وأدعوكم جميعاً أن تطلبوا المساعدة النفسية إذا احتجتم لها، وأن تلجأوا للاستشارة النفسية من أهل الاختصاص، حيث إن وطننا الغالي والعزيز يملك الكثير من أبنائه المبدعين، وهم الأطباء والأخصائيون النفسيون والاجتماعيون، والمتمكنين من مساعدتنا في تجاوز معضلاتنا النفسية.
وختاماً، صحتنا النفسية لا تقل أهميةً عن صحتنا الجسدية، بل تكاد تكون أهم منها.
- مصدر الحديث: من لا يحضره الفقيه ٤ / ٤٠٦ / ٥٨٧٨



