«الديرة» بين تاريخ الماضي وإهمال الحاضر

"الديرة" في جزيرة تاروت هي عبق التراث وماضي الأجداد تتذكره عندما تمر بين زرانيقها الجميلة، وكلما اقتربت أكثر اتضحت لك معالمها لتروي لك فصولاً من تاريخها الجميل، حيث ترتاح العين عندما تنظر الى بيوتها وما تحتوي عليه من أبواب وشبابيك ورواشين ومشربيات، وترى الفن المعماري القديم في أعمدتها وزخارفها الجميلة.
وأنت تقترب من مبانيها القديمة يبهرك المنظر وينتابك شعور بأنك في عالم أسطوري، دون قدرة بصرك وبصيرتك على نقل وترجمة جمال مشهدها، وعندما تنظر إليها متأملاً سحر واجهات مبانيها المتلاصقة على منحدرات أعلى مرتفع في جزيرة تاروت، وتبهرك دقة وبراعة الطراز الهندسي والنسيج المعماري للبيوت الممتدة بين طرقها الضيقة وإطلالتها الساحرة على الطبيعة الخلابة للحقول الخضراء وأشجار السدر والنخيل الملتفة حولها في الزمن الجمل.
ما إن تدخل "الديرة" من أحد أبوابها القديمة في الشمال والجنوب والتي لا يسمح بدخولها في الماضي إلا منها، حتى تستقبلك أزقتها القديمة وتدور بك لتعرفك بتاريخها وحضارتها، وهي حكاية وأعذب حكاية حيث يمتزج فيها الواقع التاريخي، الذي ترسمه جدران بيوتها القديمة التي تزينها الأقواس وأبوابها العتيقة وزخارفها الجميلة الذي وثقه كل الذين زاروها وافتتنوا بجمالها.
تنتابني حالة من التفكير وأنا أهم بالعبور بين صابات المنطقة القديمة (الديرة) في جزيرة تاروت، كما هي عادتي في كل يوم أحرص على المرور حول بيوتات الماضي لأتذكر ماضي الأجداد والناس الذين سكنوها، وألقي عليهم التحية والسلام وعلى تلك البيوت الجميلة التي هجرها الكثير من الناس، وتركت وحيدة تقاوم جور الزمن وتغافل حماية الآثار في وزارة السياحة عنها!!
في الطريق إلى المنطقة القديمة "الديرة" ومن على بعد عشرات الأمتار ستجد ثمة بيوتاً رابضة على مرتفع حصين في منظر جمالي يسر العين فتسأل عنها ويقال لك إنها "الديرة" المنطقة التاريخية في جزيرة تاروت، فيا لفتنة المنظر الذي تتجلى فيه بمنازلها الطينية المتكئة على بعضها لتسمعك صوت التاريخ والحضارة لآلاف السنين في قلعتها التاريخية، إلى جانب جمال البيوت فيها والتي تحظى بتاريخ قديم وحضارة عريقة أكدتها الجدران الأصيلة والموجودات الأثرية التي عثر عليها في مناطق متفرقة من "الديرة"، مما يثبت تاريخها الحضاري إلى عصور قديمة.
لم تكن المنطقة القديمة (الديرة) في جزيرة تاروت تحظى بالاهتمام من بلدية محافظة القطيف ولا من بلديتها في تطويرها، بعد أن توقف مشروع تغطية أزقة وصابات الديرة بالطوب الإسمنتي، وتبخرت تلك الآمال مع مرور الوقت والوضع كما هو مما جعل الناس في حيرة من أمرهم، وخوفهم على ما تبقى من آثار جميلة لحضارة عريقة في ديرة جزيرة تاروت، العشوائيات ما زالت تحاصرها والتشوهات البصرية من الصخور المتراكمة جراء سقوط جدران وأسقف بعض البيوت التي هجرها ساكنوها وأصبحت تشكل خطراً على الأهالي ومكاناً آمناً لارتكاب الجرائم.
الإهمال المتجذر مند وقت طويل لخدمة "الديرة" يمثل كابوساً في وجه الناس الحريصين على إظهار جمال المنطقة، ويقتل كل الخطط والآمال التي لديهم لإبراز تراثها، لذلك يجب إعادة النظر في منظومة تطوير المناطق التراثية، وجعلها بعيدة عن المحاصصة المناطقية لتصبح كل الأماكن التراثية في الوطن الغالي تحظى برعاية المسؤولين في وزارة السياحة والتراث الوطني.
ختاماً عند زيارتك "الديرة" ستجد نفسك مستسلماً للمشهد الجمالي لها، وأنت تتبع أزقتها وستصبح مسلوب الإرادة وأنت ترى الأشكال المعمارية فيها، ويهيم فكرك عندما ترى بيوت الطين القديمة في "الديرة" متضامنة في عناق حميم، وترى الشمس تفرق الضوء بين المباني ونشره بينها، نور يستأنسه الناس بالجلوس ولعب الألعاب الشعبية بين أزقتها صيفاً وشتاءً.



