أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وداعًا أسطورة كرة القدم (2)

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالأحد 29 نوفمبر 2020، 12:54 م
وداعًا أسطورة كرة القدم (2)

للصحف اليومية حظوتها في العقود الماضية، والكثير كان يحرص على شراء نسخة من الصحيفة التي تستهويه أو تهمه مواضيعها سواء المحلية أو العالمية.
عندما كنا طلابًا يأخذنا الشوق لشراء الجريدة التي تروق لنا والتي كان سعرها نصف ريال، ليس حبًا في مطالعة الشؤون السياسية أو القضايا الدولية، إنما من أجل الاطلاع على صفحة واحدة هي صفحة الرياضة المفضلة لدينا، فهي سبيلنا لمعرفة الجديد في عالم لعبة كرة القدم وغيرها من الألعاب سواء المحلية أو العالمية.
وعينا اختصر الجريدة في صفحة، نتوحد، نختلف، نتعارك لفظًا يستفزنا عنوان ويثير حفيظتنا مقال، نجد السلوى والتنفيس، حيث لا وجود للقنوات الرياضية، ولا تحاليل قبل وبعد المباريات، فقط يقوم التلفزيون الرسمي بقطع برامجه ونقل حدث رياضي ما، سواء بطولة دوري أو تصفيات قارية أو مونديال عالمي، ومساء كل ليلة يعرض على المشاهدين دقائق محدودة عن خبر كروي أو حدث رياضي عند نهاية نشرة الأخبار.
هذا الشح لا يلبي لهفة الولهان، ولا يطفئ ظمأ العطشان، الارتواء صوب الجريدة، بمصافحة واحتضان، انكباب لقراءة تحاليل المباريات والاستمتاع بمقابلات نجوم اللعبة، اطلاع ليس نابع عن قناعة إنما نتيجة عدوى متفشية عند عموم الشباب، توجيه الأنظار نحو بوصلة الرياضة وخصوصًا كرة القدم؛ اللعبة الشعبية عند سكان المعمورة.
أخرج من أبواب معهد التربية الفنية للمعلمين بالرياض الكائن بمنطقة الناصرية، أوقات الضحى، أسرع الخطى برفقة بعض زملاء الدراسة لشراء "سندويتشات" من بوفية ملاصق لمطابع مؤسسة صحيفة الجزيرة، ومعها نشتري النسخة اليومية من مبنى الجريدة، نأكل ونتجادل ونتصفح في ذات الوقت، وهمنا الأكبر صفحة الرياضة، نثرثر بتحيزات عمياء حول أنديتنا المفضلة.
من بين تلك الصباحات الدراسية وبينما أفتح الصفحة المحببة لنا، وقعت عيناي على مقابلة مع الفتى الأرجنتيني القادم، وصورة له مبتسمًا يرفع كأس العالم للشباب، قرأت المقابلة بنهم شديد لدرجة أني نسيت السندويتش ومعها برد الشاي بالحليب، تحرك الرفاق وهم ينادونني للحاق بهم "شلي يللا يا شلي لا يشوفنا وكيل المعهد واحنا متأخرين" نداء ضائع كأني صادٌ عنهم، قال أحدهم وهو يسحب يدي: "اللي ماخذ عقلك يتهنى به" وأردف الآخر: "شنهو هالموضوع اللي شاغلنك عنا يا شلي"، باليدين ممسكًا الجريدة مسرعًا وقلت لهم: هذا اللاعب الأرجنتيني الجديد، رد عبدالعزيز العدوان: "ويش لك فيه، مادام ما هو برازيلي"، يا أبو سعود كنت برازيليًا بسبب بيليه أيام زمان؛ الابتدائية، أتعرفون بأني من مشجعي الأرجنتين ولديّ حدس بسطوع هذا النجم، لقد عرفته منذ سنتين وكان يفترض أن يكون أحد أبطال الأرجنتين الذين حملوا الكأس الأخيرة، لكن الحظ لم يكن في صالحه، وحسب كلام صديق لي من ديرتي اسمه محمد الصغير قال الآتي: "المدرب مينوتي صرح قبل انطلاق بطولة كأس العالم 78 بأنه يحضر قنبلة للعالم سوف تنفجر في بيونس آيرس، ويقصد بالقنبلة هو مارادونا. لكن الفيفا خيب ظن مينوتي واعترض على إشراكه في البطولة بحجة صغر سنه"، أمسك الصفحة محمد الفيفي وقال: "شكل هاللاعب عفريت" مازحت الأصحاب كبراءة طفل، ترى تاريخ ميلاده نفس تاريخ ميلادي، قهقهات وتعليقات تلقفها هواء الناصرية وبغمزة عين توفيق الحميدي، قال الحجازي: "إش عرفك بأنه راح يصير نجمًا؟" قلت: إنه لاعب موهوب سوف يكون له شأن كبير في كرة القدم حسب رأي المحللين الرياضيين وقرأت في مجلة الوطن العربي تقريرًا عنه بأنه يملك مهارات غير عادية لعبه غير طبيعي، قال سعد: "ويش اسمه" تلفظت باسمه بتمطيط الكلام، بلحن موال
"ديييييغوووو مارادووووووناااااا"، قال طخيس: "اسمه حلو، تبي الصدق، هالورع شكله أحلى!".
طويت الصحيفة وأدخلتها في جيبي، كان عددها يشير إلى سنة 1980، احتفظت بصفحة المقابلة لفترة طويلة ولكن الزمن ضيعها مني وما تبقى من تلك المقابلة إجابتان على سؤالين ظلا محفورين في الذاكرة؛
س/ ما هو الفرق بين اللعب الأوروبي واللعب في أمريكا اللاتينية؟
مارادونا: "اللعب اللاتيني هو الأفضل، هو الأمتع، وهذا عائد لمهارات اللاعبين التي تفوق اللاعبين الأوروبيين، عندنا مواهب فطرية، وأشبه هذا الفرق، بأن اللعب اللاتيني مثل الورد الطبيعي بينما الأوروبي ورد صناعي لا رائحة فيه".
س/ من هو مثلك الأعلى في عالم الكرة المستديرة؟
مارادونا: "إنه بيليه لاعبي المفضل، تعلقي برقم عشرة تيمنًا بحبي له وإعجابي بمهارته العالية حلمي أن أزوره في بيته وأصافحه عن قرب! وأتمنى أن أصل إلى مستواه".
تلاشت بقية الأسئلة وإجابتها من ذاكرتي وعلى ما أظن كانت هذه المقابلة مترجمة من صحيفة إسبانية، وهي أول مقابلة أقرأها للأسطورة، والتي قصصت ما جاء فيها للأصحاب، وتعرف الكثير عليه لأول مرة من فضفضتي الزائدة عنه.
إن إشادة مارادونا الصغير باللاعب الكبير والمعتزل عام 76 بفارق عمر 20 عامًا بينهما، كان حبًا عفويًا بريئًا شفافًا، لكن بعد أن سطع الفتى الذهبي وارتقى ذرى المجد دبت الغيرة بين الاثنين، والمواقف كثيرة، وعنهما انقسم العالم أيهما الأفضل هذا أم هذا؟ وكل له رأيه وعن قناعة بعض النقاد انحاز لبيليه لاعتبارات عديدة، وآخرون من صحفيين ومحللين، ومعم الجماهير في كل مكان وشهادات أبرز اللاعبين يرون أن مارادونا لا يقارن بأي لاعب آخر منذ أن اخترعت كرة القدم وحتى الآن.