إذا تُركتْ الأم أو انفصل الزوجان

لاستمرار الحياة الزوجية علينا التعامل بمعروف وإحسان والالتزام بالتوجيهات والضوابط الشرعية تتميز هذه بروابط إنسانية مقدسة أُنشئت لتكوين أسرة "الذرية الصالحة - بإرادته تعالى"، هو الأصل فيها وما يسعى له الزوجان.
عادة الشركة تُؤسس بين شخصين حقيقيين أو شخصيتين اعتباريتين أو أكثر، هنا الشراكة بين رجل وامرأة مع الفوارق واختلاف الأهداف بين هذه وتلك.
وقوع الخلافات حاصل "إلا ما ندر" يُحل بعضها ودياً ويتطور الآخر أحياناً إلى حرب نارها نمرودية تسعر لا هوادة فيها تبقى لسنوات دون حل أو تُفض متمخضة عن نتائج وخيمة هي أسوأ بكثير في الأسرة منها في الشراكة المادية التي يمكن تعويض ما نقص منها ونسيانها، ولا تبعات لها، الأسرية المنجبة لولد أو أكثر إذا كان الانفصال بشدة عداوة منهما يصعُب إصلاح حال الاولاد في الغالب.
يصل النزاع بين الطرفين إلى المساومة والتضحية بترك أحد الأبوين أو كليهما لأولادهم، قد يُعذر الأب في بعض مواقفه المتشددة لسوء معاملة الأم، مع أنها المضحية الأولى إلا أنه لجهلها أو بغية الانتقام من زوجها تسبب لهم ضرراً "ربما من حيث لا تعلم" تقوم بتعبئة أفكارهم ضد أبيهم إلى حد الكراهية والاحتقار والتشهير به والإساءة إلى سمعته والطعن في سلوكه بغياً وبهتاناً ومنعه من رؤيتهم فيزداد غضباً.
وفي حالات الأب هو مصدر القسوة والقلق ومن يُؤسس للقطيعة من خلال معاملته السلبية مع الأم وتعامله بقسوة مع الأولاد بحجج واهية يختلقها ليُغطي فشله الاجتماعي والعملي أو هو سيئ الخلق ولا معرفة له بالتربية والنتيجة حرمانهم من الرعاية أو فقدان الحنان أو من الاثنين، وهي أولى خطوات الضياع لا يجدون راعياً ولا منفقاً أو عاطفاً، في مجتمعنا من تُرِك وعاش مع أسرة لا تمت له بصلة ولا حتى من بعيد إنما آووه إحساناً.
من أيام تحدث معي مسؤول من منسوبي إحدى المدارس في محافظة القطيف، مضمون ما قاله "عندهم طلاب في المدرسة يحتاجون رعاية منزلية ومتابعة مدرسية لكننا"، والقول له "عجزنا أن نجد من يتجاوب معنا بعضهم إما مُطَلَق الأم أو أبوه متزوج من ثانية، وفي الحالتين لا من سائلٍ عنه نحن في حيرة نريد أن نهتدي إلى طريقة تشاركنا حل هذه القضايا وللأسف لا تزال الأبواب مغلقة في وجوهنا، ما هو السبيل وكيف لا نعلم؟" انتهى قوله.
الولد "أعني به الجنسين" إذا تُرك دون رقابة وتوجيه تحول إلى قنبلة موقوتة لا يُعلم متى تنفجر وتدمر المجتمع وأهونها وأقلها خطراً السرقة، لذا يلزمنا البحث عن حلول لهم من الصغر قبل استفحال الأمر ضررهم يعم الجميع وبداية العلاج من الآباء لزاماً والأمهات إن أمكن عليهم المبادرة في إنهاء هذه المعاناة وأن لا يتخذا الانفصال أو الزواج من ثانية سبباً في التخلي عنهم ونسيانهم مهما تعددت الأسباب.
وليعلما أن تركهم يؤذي بإرسالهم لملاجئ الإيواء "دار الحضانة أو دور الملاحظة" أو يرتكبون جرائم ويساقون إلى السجن، وفي هذه الحالة يبتعد الولد عن والديه وأرحامه ومجتمعه وفطرته أكثر وأكثر، وعلى مر السنين يضيع نسبه ولا يعرف مبدأه وأصول دينه الصحيحة ومعتقده، وغير مستبعد انتقامه من أقرب الناس إليه لشعوره بالحرمان من حقوقه التي لا تعوض الحنان والعطف والعيش وسط أسرة بكرامة مَن المتسبب في هذا كله؟ هما الوالدان أو أحدهما.
أيضاً على المجتمع استيعاب هؤلاء وفق معاملة استثنائية لا تهميشية واحتقارية، ربما مَن يقول هذه مسؤولية الأب، كلام صحيح صائب لكنه مفقود افتراضاً لو اندلع حريق في بيت جارك ولم يكن موجوداً تتركه حتى يصل إلى بيتك ويحرقه أم تحاول إطفاءه؟ ما أشبه هذا بذاك القصد التوجيه بالمعروف والنهي عما يُنكر إن وُجد إلى ذلك سبيلاً.
بالنسبة للمدرسة، تشكر على جهودها التعليمية التربوية، ولكن عليها أن تتواصل مع الأقرب، أعمام، أخوال، أرحام، وأصدقاء العائلة متى أمكن أو تحاول عرض حالاتهم على صناع القرار في وزارة التعليم والعمل بتوجيهاتهم، وأن توسع صلاحية مجلس الآباء إذا كان ممكناً ليكون لأعضائه دور في حلحلة بعض هذه المشاكل ولو نسبياً، وفي حالة فشل كل المحاولات هناك جهات رسمية معنية بأمرهم "وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية"، وإن كنا لا نتمنى وصولهم إليها.
أوجه نداءً إلى كل أب وأم أن ينسوا أو يتناسوا ولو بعض الخلافات التي تكفي إلى لملمة شمل مَن ضاع من أولادهم أو أبعدته الظروف قبل أن يُفجعوا بسماع ما يكرهون وهم غافلون ولا تفيد انتباهتهم المتأخرة في إصلاح ما فسد وكلمة ليت لن يكون في مقدورها نصب المبتدأ وقد ضيعت الخبر.



