أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ثنائية (الذات\الشاعر) في ديوان «ما أعتقته يد البنفسج»

محمد الحميدي · القطيف اليومالسبت 26 ديسمبر 2020، 11:11 ص
ثنائية (الذات\الشاعر) في ديوان «ما أعتقته يد البنفسج»

يغوص بك أكثر، يضع رجلك على حافة النهر، ثم يعود بك إلى الأرض المنبسطة والمشمسة، مزدحماً بالتفاصيل، ومستغرقاً في تتبع لحظات الفرح، والمرح، فهناك، على الضفة الأخرى، ثمة كآبة لا محدودة، تعتصر أنفاسها، وتلقي بظلالها على الروح، لكنه أفلت بأعجوبة، واستطاع بناء نصوصه وتجربته بعناية، هذا ما تقدمه مجموعة "ما أعتقته يد البنفسج" للشاعر: حسين آل عمار، الصادرة عن دار الانتشار العربي.
يضع أقدامه على بداية الطريق، لا يترك القارئ وحيداً، بل لا بد أن يخطو معه، وبه، ليكون المعنى حاضراً، وتصبح ثمرة الدلالة ناضجة للتلقي، حيث افتتاحية المجموعة تمزج بين الذاتي والشعري، فكأن الحياة لا تنفصل هنا، إنما هو تمازج تام، واستدعاء إحداهما للأخرى.
يقول في نص بعنوان "الألم الولود":
إذا ما ادعيت الشعر
قدِّر حضوره
وإلا فعيب حينما تكتب الشعر
يمثل البيت مدخلاً لقراءة التجربة واكتشاف أبعادها الإنسانية والشعرية، إذ لا انفصال بين الجانبين، وما هو مؤثر في أحدهما؛ مؤثر في الآخر، وعبر هذا الامتزاج تتشكل دلالة المجموعة، ويضع القارئ يده على مفاصلها، وزواياها العميقة.
البداية إذن، مع نص بعنوان: "بنفسجة أولى"؛ حيث طرح ذاته خارجًا، وتسربل بـ(قناع)؛ ليخفي ما لا يريد عرضه على القارئ، ويكتفي بتمرير أفكاره ورؤاه المغرقة داخل الأسى.
يقول:
"الشعر وهمُ الروح ـ ذات تصوّفٍ ـ نحيا، نموت، وكلنا فقراء سطَّرته في الروح نص تجردٍ وعليه من نقش الردى إمضاء أشياؤنا ضاقت بما نحدو به كم نستميت وتسلم الأشياء الدمع والدنا الذي نحتاجه
أبناؤه الفقراء والشعراء".
يؤسس الشاعر لـ(القناع) منذ لحظة القصيدة الأولى، حيث لا حدَّ لمشاعره المكبوتة والصادمة، ومهما اجتهد في إخفائها، ستبرز، عاجلاً أم آجلاً، ويتعمق الشعور بالأسى حين يساوي بين الشعراء والفقراء في نهاية النص، فالدمع هو المشترك بينهما، وهو الذي يرسم خطواتهما.
هذا التأسيس ورسم العلاقة بين الشاعر والذات، لا يكتفي بالوقوف عند العتبة الأولى، بل يستمر وينتثر على مفاصل التجربة، إذ يلحظ القارئ تكرار العودة إلى "الشعر" و"الشاعر" في القصائد اللاحقة، والعودة تتم بشكلين أساسيين، هما، أولاً: عناوين القصائد.
ثانياً: الصور الفنية داخل القصائد.
على مستوى العناوين، تحضر الذات والشعر والشاعر في اندماج لا ينفصل، إذ تُقرأ عناوين مثل: "عن شاعر يشبهني - الشعر وشيء من ذاتي - ما يعتمله الشعراء - مما قاله الخلود للشعر"، هذا الحضور والاندماج يقوم بتوجيه "أفق القارئ" ناحية العلاقة الكامنة بينهما، مما يتيح فهماً أفضل للتجربة.
على مستوى الصور الفنية، فهي كثيرة ومفاجئة وتتوزع على الكثير من النصوص، بل ربما أتت دون سابق إنذار أو تمهيد، فقط ما افتتح به المجموعة، وأشار إليه في قصيدته الأولى، وهي بهذا الحضور تؤكد أن الشاعر والإنسان لا ينفصلان داخل القصيدة، ففي نص "أوراق من ذاكرة المنفى" يقول:
أُشاطر الناس شعراً لست أكتبه
إلا ليشرح ما في القلب من ألم
ثم يقول في بيت لاحق وهو يفترش الأرض ويلتحف القصيدة:
عانيتُ أفرش أشعاري وأحضنها وكم حلمت بصحوي حين لم أنم
لكنه، ورغم الألم الشديد، والمستمر، يظل محتفظاً بهذا التمازج والاندماج، فالذات الإنسانية والذات الشاعرة كيان واحد متلاحم لا يمكن التفريق بينهما، بل كلما ازداد الألم؛ ازداد تمسك الذات الإنسانية بالشعر، فهو الخلاص، والنهاية والمآل، وهذا ما يختم به الشاعر مجموعته ونصه الأخير "أخيلة عن ظهر قلب"، بقوله:
فتسلحي ما شئتِ
إن مراهقاً كالشعر
يفنى لو يخون كيانه