ليلة تهاوى فيها الشيطان

همَّ الخُطى، واختار أسهل الطرق للوصول، فشل في أول طريق سهل، فاستعاضه بآخر أسهل.
تخصص في علم الجيولوجيا، لخّص إنتاج الآخرين ووضعه في كتاب تحت اسمه، وصار يلف به ويعرضه من مكان إلى آخر!
تظاهر بتقديم مصلحة المجتمع وأخفى نواياه، شارك في حملات وندوات.
تمسكن وتزيّن بالكلمات المعسولة، استخف جماعته، وجد منهم قابلية!
دخل من جهة الصغار وأظهر تعاطفه معهم، تلوّى في مشيته وحركاته، استمر في صبغ شعر رأسه ولحيته.
لقِي إقبالاً في مجتمع مكوّن من أقلية تبحث عن رمزٍ تعوّض به نقصها وتراه النائب والسند، كانت عينُه على المنصب، وثقوا فيه و كان ما أراد.
حصل على المنصب، خرجت الصفاتُ النرجسية التي احتاجت المنصبَ لتسطع بنورها البهيّ!
قرّب منه النساء الجميلات، حتى يوحيَ لنفسه وللآخرين أنه أشبه بنبي الله يوسف، تلاحقه النسوة، اصطفى لنفسه كاشفاتِ الوجه، بِيضَها، ونواعمَها .
قمَّط أُسرتَه بالسواد فأصبحن كالغربان حتى لا ينظر أحدٌ لهن، فهو المؤمن التقي، لا يرضى لأسرته ما يرضاه للآخرين ممن يتعمَّد جلبهن حوله.
كلما استنفد إحدى الغريبات وبدأت تصبح مملةً أو كبرت في السن أقصاها إلى أسوأ مكان، لا يرغب فيه الآخرون!
صار يعطي المهام النتنة لمن حوله ويصطفي لنفسه الأفضل، علّق كلَّ قرارٍ في المنشأة بيده.
استغل جهد غيره ليُظهِر نفسه، صار يعامل الموظفين باستعلاء، أين ذلك اللبق الحريص على مصلحة الآخرين؟ كانت شخصيةً عابرةً ركبها للوصول.
أصبح يحضر ساعةً من الزمان للدوام، يختار وقت الصلاة دوماً!
وجه إنسان وتحركات شيطان، يتبخر بعدها.
يلتقط مجهودَ وأفكار الآخرين، ويقدمها باسمه في الندوات والمؤتمرات.
يقوم بأعمالٍ ظاهرُها الدين ومصلحة الآخرين وباطنُها حبُ السيطرة والمال والاستعراض.
جامل من يقبّل أقدامه من الصغار وكافأهم، واستشعر الخطر ممن لهم نفس شهادته خاصةً من الرجال، كلما أبدى أحدٌ منهم قدرة أو قابلية للتفوق العلمي أو الإداري استفزه ذلك.
فبدأ في إقصائه ومحاربته وإعاقة حقوقه وترقياته لتوجسه منه، يظن أن كل الناس يفكّرون مثله، وأنهم سيشكلون خطراً على منصبه ومكانته ومحاولة اجتذابه للنساء والاستعراض.
إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءت ظنونهُ، وصدَّقَ ما يعتادُه من توهّمِ، بدأت تتساقط أوراق التوت التي كانت تغطي مساوئ المتجمِّل.
تمادى دخل في دروشة الكبرياء، نسي أنها لباس الله وحده.
بدأ الكثير يتذمر من تصرفاته، الأغلب بالسر حتى لا يعاقبهم، البعض بالعلن لنظافتهم وبغية إصلاح الوضع ولكرههم الطعن من الخلف.
ترصّد صاحبُنا المجاهرين، لا يكل ولا يمل، وظل معانداً على أفعاله.
سكت عن أخطاء من يقدِّسونه مهما بلغت وأضرت حد الموت، ولاحق من اختارت أنفسُهم الكرامةَ والحق، إن لم يجد شيئاً ذم حتى أظافرهم!
وتناسى أظافر الجميلات من حوله، فلا تثريب عليهن فهنّ يفتحن نفسه، وأي انسان في وضعه سيراقب الأظافر؟
ترك العلم الذي كان البابَ لدخوله المعترك وركّز على عُقَدِه! تلبّس الازدواجية، فهو صاحب الزعامة.
إذا أراد أن يرفع موظفاً، قال لا يوجد شيء مثبت ضده ولا يبحث، وكبّر تفاهاته وحولها إلى إنجازات.
وإذا أراد أن يعيق أحداً قال لا يوجد شيء يسانده ولا يبحث، بل يتعمد عدم حضور أي نشاط له، ومهما قدم من إنجاز حوّله إلى غير مهم ليبرر ازدواجيته وأحقاده.
يراكض وراء المزايا المالية لنفسه ولا يفرّط في أي فرصة، لكن ما أسهل أن يعيق مستحقات الآخرين!
مع مضي الوقت في المناصب، استخرجت صفاتُه النرجسية صفاتَه السيكوباتية.
وضع حوله مساعداً وصولياً يَجْرد عمل المغضوب عليهم بحثاً عن أي سلبية، ويتعامى عن المرضِيِّ عنهم نهائياً حتى لو تسببوا في الكوارث.
تفاجأ يوماً أن إحدى الجميلات من حوله كبرَ بطنُها، متزوجة ومن الطبيعي أن تحمل، ضاقت به الأرض بما رحبت.
حاول الحصول على إدارة عدة نشاطات في العمل وخارجه، صار يكتب اسمه وحوله كل شهادة لديه مهما كانت تافهة وكل منصب حصل عليه مهما كان شكلياً.
عيّن من ارتضاه، ووصل به عنادُه وعجرفته إلى التحدي، فإذا خاطبه أحدٌ في مظلمة قال: ارفعها رسمياً، ظناً منه أن الرفع الرسمي يعني أن يستجديه الموظفُ، ثم حين يتفرغ حضرته يبت في الأمر.
وأعمته عجرفته عن الالتفات أن الرفع الرسمي يشمل كشف نواقصه وأخطائه وفساده كصاحب منصب.
بدأ المشوار العكسي، تم عمل الانتخابات الدورية في إحدى المهام التي كان رئيساً لها ورشح نفسه، فسقط.
ضج من ذلك، فقد خسر الدجاجةَ التي تبيض الذهب وظاهرها خدمة الدين والمجتمع.
مهنةٌ ثانية مخالفةٌ للنظام الذي لا يسمح بالجمع بين وظيفتين، لكنّه يظهرها أنها مهمة تطوعية بدون مقابل.
يحاول الضحك على الآخرين في زمنٍ لا تستطيع فيه خداعَ طفلٍ عمره سبع سنواتٍ!
أشاع هو وفرقته التي تطبل له أنه تم إسقاطه بمؤامرة! عجرفته تأبى الإقرار بالتنافس الشريف.
بحث عن تجارة شبيهة في مكان آخر، ويا لسخرية القدر، استهدفت كارثةٌ نادرة جداً تجارتَه دون الملايين غيره، لم يتب رغم خسارة الكنز الثاني.
لم يُرجع الحقوقَ لأصحابها بعد، جاءت الليلة التي ترجّل فيها الشيطان من أهم منصب يُرضي به نرجسيته ويستحوذ من خلاله على البدلات المجزية بأقل جهد، ويعز به من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير.
فكل المعاملات لا ترتفع دون المرور به، صدر قرارُ الإعفاء من المنصب، وإرجاعه لمهمته الأصلية المنبثقة من مهنته.
يا حسرةً على العباد، بعضُهم يظن أن المناصبَ دائمة، كالعادة روّج لنظرية المؤامرة! فهو إنسان كامل لا تسقطه إلا المؤامرات! فضح نفسه على الملأ بأنه محب للسلطة، أجهش بالبكاء على خسارة الإدارة أمام الملأ.
أين تدينه وزهده؟ أم كان نفاقاً؟ اجتمع بالموظفين ليضع النقاط على الحروف، أراد أن يستشف أي شيء عمّن تسبب في سقوطه من الموظفين.
لم يجد، كان وهماً.
أشار عليه أحدُ الحاضرين أن يتظلّم رسمياً كما كان هو أثناء منصبه يشير على المتظلم أن يرفع رسمياً.
ويا لهول إجابته عن السؤال، أكيد أنهم طالما عزلوني فلديهم مستمسكات ضدي، أقرَّ أن لديه أخطاءً تستدعي عزله!
كان يرجو أن لا يحاسَب عليها فهو فوق الحساب، تفرعنه أوصله إلى أن يعتقد أنه: لا يُسأل عمّا يفعل وهم يسألون!
فقد كان أثناء توليه منصبه يلاحق أي شيء ضد خصومه ليعيقهم به عن إبداعات رأسه، أخذ إجازةً طويلة وانبطح وسط صالة منزله حزيناً محسوراً.
لقد فقد عزيزاً، وأي شيء أعز من الكرسي لأمثاله؟ أين كلامه عن المصلحة والعطاء دون مقابل؟ أين الكلام عن أن المواطن يعطي في أي مهمة توكل له.
أين ادعائه بالعمل التطوعي الخيري؟ تم إعطاء المنصب لأحد الموظفين، أصغر منه.
ندب صاحبُنا حالَه، فكيف رضي من يعتبره بمثابة ابنه الذي أنجبه وعلّمه أن يحل محله؟
كان من الأولى أن يرفض المنصب حتى لا يجدوا بديلاً لقداسته ويضطروا للإبقاء عليه.
ونسي أنه حتى لو كان ذلك حقيقةً فهل سينجب الثعبانُ غيرَ الثعبانِ؟! أعماه التكبّر فنسي أبسط الأمور.
مضت الأيام وأُخرِج صاحبنا أيضاً من مقر عمله الواسع إلى مقرٍ ضيّق، رجع سيرته الأولى، يحاول إبداءَ دورِ المعطاء المستكين.
يوماً ما أُعطِيَ مهمةً شرفية لكن لها نوعاً من السلطة بالإضافة لعمله، ماذا تتوقعون؟
انتكس، وعاد وتسبب في نقل موظف مخلص من مقر عمله وبدأ يحاول أن يضر بخصومه!
لا فائدة، جُبِلت نفسُه على الأنانية والحقد والغيرة وحب السيطرة وعقدة التعالي التي لا يبررها إلا عقدة نقصٍ دفينة في نفسه.
"ما من رجلٍ تكبّر أو تجبّر إلا لذلةٍ وجدها في نفسه"، فقد يكون يعاني من عجز أو مرض ما أو تم الاعتداء عليه في صغره أو غير ذلك، فبدل أن يصبر ويعالج نفسه ويجتاز ابتلاء الله له مثاباً وهو المتظاهر بالتدين، تذمّر من ذلك الابتلاء وصار يعاقب الآخرين الذين لا ذنب لهم ويحاول أن يذلهم ويتعالى عليهم.
تم إعفاؤه من منصبه مرة أخرى، ولا يزال يركض لزيادة مكاسبه ما بعد التقاعد فهو لا يريد أن يحصل بعد تقاعده على القليل، فلقد اعتاد بلعَ اللقمة الكبيرة بأقل مجهود بينما استكثر على غيره أرزاقهم، كأنها ستقتطع من ماله!
إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك "طبعاً إن لم تكن ملحداً، أما إن كنت ملحداً فالكلام معك ضائع".
ملاحظة: القصة لا تشير إلى أشخاص حقيقيين.



