التربية الوجدانية

التربية الوجدانية والانفعالية تعنى بالحفاظ على مشاعر المرء تجاه الآخرين من التلوث جراء الاحتكاكات والمواقف والحوارات اليومية؛ لئلا تمس صفاء قلبه ولمسة الاحترام وما يكنه من محبة للغير، كما أن سوء الفهم الحاصل وتباين الأفكار مدعاة عند البعض ليكون فتيلًا وبابًا للاختلافات الحادة وما يتبعها من آثار، فنحتاج إلى زرع سلوك التسامح والاحترام للغير وعدم المس بكرامته أوالانخراط في شن هجوم عليه أو تجاهله لأي سبب كان، فالتعامل الحسن والترحيب بالغير مظلة تحفظ قلوبنا من إتلافها بالكراهيات والمشاحنات، والتي أضحت اليوم ظاهرة بارزة في العلاقات الأسرية والاجتماعية وللأسف، فلم نعد ندرك الآثار الوخيمة للدخول في خلافات وصراعات لمجرد سبب لا يستحق كل هذا الغبار المثار حولها، وفقد البعض بوصلته فما عاد يبالي بتلك الأوقات التي يضيعها في القيل والقال المؤدية للمشاحنات والقطيعة، وما عادت العلاقات المستقرة والناجحة بالتي تلقى أهمية عنده، بل وأضحى البعض يستبدل أواصر الأرحام والجيرة والصداقة بفكرة المصالح الخاصة، والتي على أساسها يقيم علاقاته ويزنها ويحافظ عليها، بينما يتجاهل بعضها ولا يقيم لها وزنًا ولا بالًا لمجرد أنه ينظر لها بعين النفعية التي لا يتحصل عليها من هذه العلاقات!
التربية التي يتلقاها الفرد منذ الصغر والتي تقوم على احترام الآخر من خلال ضبط النفس وعدم السماح لمشاعرنا المنفعلة والمستفزة لتقودنا وتدخلنا في أتون الخلافات والمماحكات، فالقيمة الاجتماعية للإنسان تكون بمقدار جمال روحه وأخلاقه وتعامله الإنساني الذي ينعكس على علاقاته بالاستقرار والتواصل الإيجابي، وتلك الجاذبية في القلوب يستحقها ويلقاها من يمتلك نفسًا سمحة وقلبًا طيبًا لا يحمل للآخرين أي مشاعر سلبية، ولا نقول إن تصفية القلب من شوائب البغضاء بالأمر السهل ولكنه يحتاج إلى ممارسة ومحاسبة للنفس مع كل خطوة نخطوها وكل موقف نتخذه، فالشعور براحة البال والخلو من الهموم بسبب العلاقات الاجتماعية ثمرة لصفاء القلب، والألفة وحسن العشرة والتعامل وفق الآداب الاجتماعية سيجعل منا شخصيات مقبولة ومحببة في المحيط المجتمعي، ومن الأهداف التي يعمل على تحقيقها الفرد كونه لا يتصف بالثقل على قلوب الآخرين لئلا ينفروا منه، وهذا التودد للناس أو تأزم العلاقات معهم خاضع لما يمتلكه المرء من صفات وأهمها ما يتعلق بنقاء قلبه واتساعه لهفوات الغير واحترامه لوجودهم من عدمه.
روح الكراهية والتعالي قد يكون منشأها تربويًا نتج عما تلقاه الفرد من توجيه خاطئ في التعامل مع الغير، فالندية والتنافس الشريف وإثبات الوجود لا يعني أبدًا النظرة السلبية للآخرين أو تمني الشر والضرر بهم (الحسد)، ولا يدفع هذا الشعور السيئ عنا إلا القناعة بالفروق الفردية في القدرات والمهارات والعطاء والإبداع، فيرى سعادته بتحقيق أي تقدم أو إنجاز من غيره نقطة مضيئة تستحق الإشادة والتشجيع عليها، فتمني الخير للغير يعني أن تتسع دائرة السعادة عندك لتشمل تحقيق الآخرين غاياتهم ومشاركتهم في أفراحهم أو همومهم ومشاكلهم.
نحن بحاجة إلى تعزيز قيم التواصل وتنمية المشاعر بين أفراد المجتمع، فلم الشمل وتجنب عوامل الفرقة وتبريد الأجواء والبعد عن الحوارات الساخنة وأساليب السخرية والاستهزاء والشتم والغيبة والنميمة، كلها مسببات للفرقة والكراهية وتقطيع الأواصر بين الناس، إننا بحاجة إلى ذلك النقاء في القلوب والذي يمثل روح التصالح مع النفس والمشاعر الطيبة تجاه الآخرين وتجنب كل الأساليب المنفرة والتي تحمل عنوان الخدش والحط وامتهان كرامة الآخرين والإساءة لهم.



