ارجعوا إلى ظلال عفوه

قال تعالى: ﴿ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء الآية ٦٤].
يعيش الإنسان منعمًا بما رزقه الله من ملذات الدنيا ونعيمها، وقد ينغمس فيها متناسيًا فضل الله عليه وينجر وراء ملذاته وشهواته، فيتجاوز الحدود ويتجرأ على الله بالبعد عن عين الله الناظرة له في كل أحواله، فيقع في الذنوب والمعاصي بسبب إقباله على الدنيا، فيكون ما وهبه الله له من نعم نقمة عليه، فنراه قد ارتكب الكثير من المعاصي ودخل في دوامة الغرور والجهل، فينسى أن ما عنده من نعم هي ليست ملكه بل هي ملك الله وضعها أمانة بين يديه؛ لكي يتصرف فيها بما يرضي الله عز وجل، فكل نعمة سواء كانت مادية أو معنوية هي أمانات الله سيرها بيد عباده لمصلحتهم وصلاحهم، فالعاقل من اغتنم هذه الفرصة وزادته هذه النعم - كالصحة والتعبد والوظيفة والمال وحب الناس وغيرها - قرباً من الله تقوى وورعًا، أما الإنسان الجاهل الغافل فما إن يرى نعم الله تحوطه إلا واغتر وتجبر في هذه الدنيا، فنراه بما يملك من صحة وقوة ومال وجاه يستشعر أنه ملك الدنيا بما فيها، فنرى سطوته تطال الصغير والكبير من عباد الله، وما إن يوفق للعبادة الظاهرية إلا وكانت عبادته نقمة عليه، ينظر بتعال لمن هو بنظره مذنب وخاطئ، فيكون أكثر ذنوبًا ومعاصي من غيره؛ لأن عبادته ليس له منها إلا التعب والعناء، فنراه بعد كل ما فعله من خير وحسن وعبادة دخل في دوامة الذنوب، وقد انغلقت أبواب الرحمة الإلهية والنفحات الربانية في وجهه بسبب سوء عمله، وما ينبغي على الإسان العاصي مهما وقع في وحل الذنوب والمعاصي أن يتذكر أن باب الله تعالى مفتوح في كل حين لمن كان صادقًا في العودة لطريق الصواب، فليراجع نفسه وعقله ويبدأ بفتح صفحة جديدة مع الله تعالى مستغفرًا، وصفحة ناصعة مع ذاته مراجعة ومحاسبة ويزيل تلك الحجب التي أبعدته عن ساحة اللطف الإلهي، وذلك بالإنابة والتوبة الصادقة والاستغفار عما بدر منه من انتهاك لحرم الله تعالى وحرمة عباده، متذكرًا قول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر الآية ٥٣].
فرحمة الله واسعة وبابه مفتوح لا يغلق إلا بسبب سوء عمل الإنسان، وها نحن نقف على أبواب رحمته في شهر ضيافته نستغفره ونتوب إليه من كل ذنب ومعصية عملناها بجهل منا، ولو علم الإنسان ما للتوبة الصادقة من آثار إيجابية على الفرد ومجتمعه لما توانى لحظة عن دخول بابها، فالتوبة مصدر أمان وسلام ومصالحة مع النفس، فيتشجع على ترك المعاصي وفتح صفحة جديدة مع الله ومع نفسه ومجتمعه، ويكون حذرًا من العودة لهذا الطريق المهلك، دائمًا يعيش حالة من السكينة والهدوء النفسي لأنه عاد للصواب، وتشمئز نفسه من تذكر الذنوب التي اقترفها، وكذا المجتمع سيكون مصانًا من الوقوع في الجرائم وانتهاك الحرمات التي كانت تقع من أصحاب الذنوب فإنهم كانوا في دوامة من الغفلة وعدم الانتباه لآثار ما هم عليه من معصية، وما إن ينصلح حال الأفراد سوف ينصلح حال المجتمع بأكمله.
ونحن نريد أن نكون ممن أنعم الله عليهم بالصلاح وحسن الظن بالله والتوفيق لما يحبه ويرضاه، وكل ذلك نحصل عليه بطاعته والابتعاد عن معصيته.



