شارع باسم شاعر إشكالي!

للشوارع والمقاهي أهمية وجدانية في ذاكرة الأمة وتاريخها السياسي والثقافي.
ويأتي في طليعتها شارع الشانزيليزيه الباريسي، الذي طالما ذرعته ذهابًا وإيابًا، مستمتعًا بعرضه الوسيع، ومقاهيه العريقة ومتاجره الباذخة.. مما جعله مجالًا متنوعًا للعروض العسكرية والسياسية والرياضية والفنية، ممتدًا بانسياب مدهش من ساحة الكونكورد إلى قوس النصر، حيث يتحرك التاريخ الفرنسي بين جنباته منذ سنوات طويلة.
وفي (الفوكيت) مقهاه الشهير، كثيرًا ما التقى بين طاولاته الشعراء والسياسيون والمستثمرون من كل جهات العالم.
وإذا كان (بترو) اليوناني في مدينة الإسكندرية، قد احتال على توفيق الحكيم بتقديم فنجان قهوة مجاني له، كل يوم طوال أيام ارتياده المقهى مع ثلة من أصدقائه وتلامذته، من أدباء مصر المصطافين على شاطئها المثير. فكأنه استعار هذه (الإستراتيجية الجاذبة)! من صاحب مقهى (لغوتوند) أحد المقاهي الباريسية، التي ترك بيكاسو على أحد جدرانها، لوحة له لقاء تناول وجبة طعام يومية!
ومن مقاهي الشوارع الممتدة في عدد من العواصم العربية، انبثقت فكرة تسمية الشوارع برموز مجتمعاتها السياسية والأدبية - الشعرية على نحو خاص - ففي بغداد سمي مقهى شهير فيها باسم أحد أبرز شعرائها (جميل صدقي الزهاوي) الذي غدا اليوم وجهة حملة القلم ومبدعي الفنون في العاصمة العراقية.
وفي جنوب العراق، سمي أكبر ميدان في مدينة الناصرية باسم السيد محمد سعيد الحبوبي. شاعر العراق الشهير، وقائد ثورة العشرين فيه.
كما أن هناك تمثالًا للسياب يطل على نهر دجلة في البصرة.وفي دمشق سمي شارع باسم نزار قباني، عاشقها المتيم قبل أن يتوفاه الله.
وفي القاهرة ترى تماثيل لأحمد شوقي وطه حسين والعقاد وأم كلثوم. ولم تبخل العاصمة المصرية بإطلاق أحد شوارعها، على إيليا أبو ماضي، الشاعر اللبناني الذي ابتدأ مسيرته الصحفية والشعرية فيها، قبل أن يهاجر إلى أمريكا.
أما نجيب محفوظ فقد احتل اسمه، الذي ازداد لمعانًا بعد فوزه بجائزة نوبل، مقهى خان الخليلي في حي الجمالية الشعبي، الذي ولد فيه الروائي المصري، وسجل أهم أحداثه في أهم رواياته، منذ كان يتردد عليه وهو في غضارة الشباب.
في المملكة كان المركاز - وهو مقهى شعبي - ظاهرة اجتماعية وثقافية في مكة المكرمة، وقد تحلق بالحوار الأدبي والمساجلة الشعرية حول «برادات» الشاي بين مقاعده الخشبية، حمزة شحاتة وعزيز ضياء وحسين عرب وأحمد قنديل، هذا الذي استوحى (المركاز) في قصيدته الراثية لحمزة شحاتة:
ونسعى إلى المركاز ليلًا بلهفة
نمد له كعبًا تشدد بالكعب
ندير شؤون الرأي جدًا أعدته
إليك مزاحًا فالدعابة من دأبي
في الرياض نقش الشيخ حمد الجاسر لوحة حجرية باسم (دارة العرب) على باب منزله. هل كان يتماهى مع طه حسين حينما سمى ڤيلته في مصر الجديدة بـ(رامتان) - وهما كثيبان رمليان مشهوران يقعان إلى الجنوب من البدائع بالقصيم - اعتدادًا واعتناء من عميد الأدب العربي بالمواقع الجغرافية لجزيرة العرب الواردة في الشعر العربي القديم؟!
على أي حال؛ أصبح الشارع الذي يقع فيه بيت الشيخ حمد الجاسر، باسم علامة الجزيرة الذي أتحفنا بـ(معجمه الجغرافي للبلاد العربية السعودية) وكذلك هناك شارع في الدرعية باسم عبدالله بن خميس مؤلف (المجاز بين اليمامة والحجاز) وشارع آخر باسم عبدالكريم الجهيمان مؤلف (أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب) وشارع آخر باسم شاعر الوطن الدكتور غازي القصيبي الذي خص الرياض بواحد من دواوينه العديدة (أنت الرياض).
أما أن يطلق اسم شاعر على شارع، سجل بقصائده البارعة في تناصها المبهر، بين قديم الشعر العربي وحديثه، فهذا يحسب للشاعر الأمير خالد الفيصل صاحب المبادرات الثقافية البارزة، حيث وجدنا - مؤخرًا - اسم محمد الثبيتي يتلألأ على شارع في مدينته (الطائف) حاسمًا بذلك الإشكال الثقافي والجمالي بين المحافظين والحداثيين.. فالمملكة اليوم تنتصر لقوى التغيير الاجتماعي الجديدة، هذه التي تقود فعاليات وطننا في كل مجال بتفوق لافت، لا في مجال الشعر بتياراته المختلفة فحسب، وإنما بتقدم جيل سعودي مبدع - من الجنسين -، في كل مجال من مجلات المعرفة والعلوم والآداب والفنون.



