خارج الحلم

قبل أيام لمحت الراحلات عن الدنيا العزيزات على قلبي سلوى فتحية صباح هدى، رغم أنهن دوماً في ذاكرتي وذهني وكأنهن أمامي وكل منا تنظر للأخرى، وكأنني حللت ضيفة على الراحلات، وكأنهن يجهدن في حملي وأنا المسجاة أنظر ما حولي، وكأنهن يحملنني على وسائد من غيم إلى عالم لم أر مثله ولا سمعت به.
سألت: إلى أين تأخذنني؟ التفتن جميعاً ينظرن إلي بدهشة وكأن لا حق لأحد بالجواب، ثم عاد الصمت يخيم علينا جميعاً، صمتت الأصوات التي كانت تتناهى إلي، ثم أغمضت الأشياء حولي عيونها فلم أعد أرى شيئًا ولم أتلق أي استجابة.
وكأن الراحلات مستبشرات بشيء ما، وكنت أسأل نفسي في سري سؤالاً ما، من يعرف جوابه! هل هذا توارد حضور توارد يأتي في الذهن أولاً ثم في الحقيقة! كان حلماً، هل الحلم هو الحقيقة؟ ودهشتي في الحلم هو أنني كنت أعرف كل شيء معرفة حقيقية، كأنني مدركة ما في القلوب أو كأن الغيب قد كشف أمامي شيئاً ما، فكنت أشعر بأحداثه وما سيكون، لقد قررن فجأة أن يغادرن الحياة! أهذا هو ماكنت أقوله لنفسي كل ليلة، أغمضي عينيك كي يرى قلبك ما تريدين رؤيته؟
حلم عجزت عن فك لغزه وبعد أن عجزت عن تفسير ما أرى، أيقظت زوجي من نومه وقصصت عليه ذاك الحلم الاستثنائي، صمت زوجي لحظة ثم سألني: أهذا حلم أم وهم؟ موضحاً أنني أعاني شوقاً ولوعة لمن رحلن، وعلي أن أكون إنسانة واقعية حد الرضا والصبر، وكان علي أن لا أتوغل كثيراً في التفكير بشأن رحيلهن وغيابهن، وكان علي أن أتخيلهن محلقات في السماء تاركات أرواحهن وقلوبهن في سكينة وسلام.
ولكنني ومنذ ليلة حلمي، صرت أسرح في فكرة الموت، أستجمع الصور وأقتنص الذكريات، التي تكاد تلامس شغاف القلب المضيء هناك في أماكن لا تنبئ عن حضورها.
ولكي لا تضيع مني فرصة الكشف آثرت الصمت وأنا في غاية الرضا وبفيض من السكون، إذ كنت أخشى جواب سؤال يسقط بما تبني من الخيالات والرؤى، ولم يكن ذلك الحلم العظيم سوى الموت، وأن الأرض كلها لم تعد سوى مكان إقامة مؤقتة، ولن يعود من رحل عنا أبداً!
ولعل البعض قد مل تفاصيل الحلم، ذلكَ الحلم ذو اللحظةِ الخالصةِ، لحظة قَد لا تتَكرر، الحلم الزائر الذي يأتي دون موعد بليل يعج بالسكون والعتمة، وربما هو من آثار الرعب بقلبي قد أصابني صداع شديد ورغبة ملحة أن أتخلص مما تبقى لي من لحظاته ونفحاته.
أرى بقلبي روحاً تحوم حولي ولقد تملكني القلق فارتبكت الحروف بأطراف أناملي الراجفة! عندما تذكرت أن العالم كله يعاني حدثاً عظيماً، فيروس كورونا الذي أصاب البشر وقضى على الملايين بمرض وموت واستنزف كل شيء، حدث بدأ من أقصاه وسرعان ما اشتمل على أدناه.
وأخيراً ما أردت قوله، حتى النجوم لها كوابيس وأحلام تؤرقها وتقلقها؟! إنه حاجتي للبوح، نعم الحاجة في لحظة من الزمن، والذي أتاني على شكل حلم تائه في زحمة الشوق والفقد والرحيل ما كان عادياً، ولكنني بعدها لمحت روحي بملامح الرضا.



