أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تمتع بمذاق حلو ولكن!

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالجمعة 18 يونيو 2021، 2:06 م
تمتع بمذاق حلو ولكن!

مطلوب كشف حساب لخطورة المضافات الاصطناعية التي تهب علينا دون مقدمات ولا مؤخرات، قبل سنوات وعندما غزا عقول الناس هوس أغذية "خالية من السكر" كانت الأعسال الطبيعية من أوائل الأغذية التي استبعدت من الموائد والبيوت، وبعد سنوات وعندما جاءت رسالة المتخصصين في الغذاء والصحة بأنه لابد من النظر إلى المحليات الاصطناعية كبديل في تحلية الأطعمة والأشربة، تحمس الكثير لفوائدها، ورغم هذا فإننا نقف وقفة متأنية من هذا الاندفاع، لنوضح شيئاً من الجانب الخفي الذي لا يعرفه معظم الناس.
في البدء أرى لزامًا عليَّ، وقبل أن أشرع فيما أريد ذكره، أن أنوِّه هنا إلى أن الإنسان قبل مائة عام كان استهلاكه لمادة السكر في السنة "كيلو و300 جرام"، أما اليوم فقد صار استهلاك الفرد من السكر يتجاوز الـ 73 كيلو جراماً في السنة، وهذا رقم رهيب جداً، لو رجعنا إلى المقارنة بالأمراض قبل 100 سنة وإلى اليوم نجد وبشكل واضح أن الأمراض ازدادت وكثرت لدرجة كبيرة وللأسف.
حاجة الجسم إلى السكر ضرورة، مثل حاجته للملح وربما أكثر، ويوجد السكر بالمواد النشوية، كالحبوب والبطاطا والبطاطس وفي الخضراوات والفاكهة والعسل، لذلك ننصح بالتقليل من استهلاك السكر الموجود في الأسواق بشكله الحر والمعروف، لأن الإنسان يحصل على السكر الذي يحتاج إليه جسمه عن طريق المواد الغذائية التي تحويه ويتناولها كل يوم.
ماذا يعني القول بأنه لا بد من تناول السكر ضمن الأغذية الطبيعية وليس بصورة حرة؟ يعني هذا أنه إذا وجد السكر بصورته الحلوة في الفواكه الطازجة أو المجففة وغيره من الأغذية الطبيعية فإنه يحوي طاقة وقيمة غذائية عالية، ولكن ما حيلة الكثرة من الناس في هذا العصر الذين يشتكون من أمراض السمنة وتوابعها، فقد سببت لهم خللاً في توازن الغذاء، لذا وحتى لا يحدث الخلل اتجهت الصناعات الغذائية ومراكز الأبحاث إلى استبدال السكر في الأغذية المصنعة بالمواد التي يطلق عليها "بدائل السكر" ضمن الأكل اليومي.
ما هي بدائل السكر أو المحليات الاصطناعية؟ المحليات الاصطناعية هي مستحضرات كيميائية منخفضة السعرات الحرارية أو خالية منها، وتُستخدم كبديل للسكر في تحلية الأطعمة والأشربة.
أشهر المحليات الاصطناعية المتداولة في الأسواق: أسيسولفام ك، أسبارتام، سكارين، سوربيتول، سكرالوز، زايليتول.
ظهرت المخاوف بشأن هذه المحليات منذ بدايات استخدامها، حيث كان أول محلى اصطناعي هو السكرين، وقد أشار البعض إلى أن المحليات الاصطناعية لها آثار جانبية كغيرها من الأدوية والعقاقير الطبية، ارتبطت بزيادة خطر الإصابة بكل من السرطان والسكتات الدماغية وارتفاع ضغط الدم والتقيؤ والدوخة، تلك السلبيات المرضية لبدائل السكر وما يثار حول استخدامها بين الحين والآخر، تجعل تناولها على الإطلاق ليس مقبولاً، إن المعقول هو تناول السكريات من مصادرها الطبيعية، ولجوء الكثير من المستهلكين إلى استعمال بدائل السكريات لا يعني أنهم يسيرون بالاتجاه الصحيح، إنهم في الحقيقة يسيئون إلى أجسامهم، رغم ما وفرته لهم من تمتع بمذاق السكر مع سعرات حرارية أقل بكثير مما تعطيه السكريات الطبيعية، دون اعتبار لجوانب التأثيرات الصحية.
هذا يقودنا إلى أن نؤكد أهمية وجود السكر في أغذيتنا، فالله لم يسخرها لنا عبثاً وطالما أن الإنسان لا يشتكي من أي مشكلات صحية تحول دونه ودون تناول السكر من مصدره الطبيعي وبنسبة جيدة ومقبولة صحياً، إذا أُخذ ضمن غذاء متوازن.
لا شك أن المبالغة في استخدام أي شيء مضر، ومع ذلك فإن هناك بعض المحاذير عند استعمال المحليات االاصطناعية
إذن، لماذا نلجأ إلى تناول بدائل السكر إذا كنا نستطيع أن نأخذ حاجتنا من السكر من مصادره الطبيعية؟! وهل نحن في مأمن من هذه المواد؟ وهل هناك ضوابط في استخدامها في المنتجات الغذائية أم الأمر متروك لاجتهادات المصنع التي قد تقود لأخطار صحية دون علم المستهلك؟
ثمة اعتقاد سائد لدى البعض بأن المحليات الاصطناعية والتي هي عبارة عن مستحضرات كيميائية ذات استعمالات تغذوية خاصة بمرضى السكر والسمنة ليس لها آثار جانبية كغيرها من الأدوية والعقاقير الطبية، وهذا اعتقاد خاطئ لا يخلو من إحداث أعراض جانبية قد يؤدي بعضها إلى حدوث الفشل الكلوي.
تزخر أسواقنا بآلاف المنتجات الغذائية المصنعة، ودخول معظمها في دائرة المنتجات التي تحتوي على نسبة عالية من المحليات الاصطناعية، ومهما تباينت آراؤنا حول هذه المحليات، فقد أصبح من الصعب تجنب استخدامها اليوم، حيث إنها دخلت في صناعة الآلاف من المنتجات الغذائية مثل المشروبات والحلويات والوجبات الجاهزة والمخبوزات والصلصات.
ازداد الطلب على المحليات الاصطناعية بشكل كبير، رغم ما يتعرض له المستهلكون من معلومات غير واضحة عن خصائصها، وإلى معلومات غير دقيقة أيضاً عن مأمونيتها، لكي يستطيع المستهلك أن يقرر الاختيار الأمثل لغذائه عند تزويده بالمعلومات الصحيحة، ولعل الرسالة الواضحة التي يرغب علماء التغذية في إيصالها إليه هي حذف بدائل السكر من الغذاء، إلا أن الكثير من المستهلكين يريدون الحدَّ من تناول السكر والتمتُّع بالمذاق الحلو في الوقت ذاته.
نشاهد على بعض مغلفات السكاكر والمشروبات الغازية والعصائر المحفوظة إشارة كبيرة تقول ( 0 %) سكر، ويراد منها الإيحاء للمستهلك بأنها خالية من السكر بينما الصحيح خالية من السعرات الحرارية والتي هي من خصائص بدائل السكر، والمكونات تشير إلى ذلك، والمستهلك لن يصاب بالسمنة من جرَّاء تناوله هذه السكاكر!!
هذه الأطعمة ليست خاوية من السعرات الحرارية فقط وإنما خاوية المحتوى من الناحية الغذائية، بالإضافة إلى ما تحمله من مخاطر صحية.
اليوم تحتل مغلفات بدائل السكر مكاناً عزيزاً في مطبخ البيت، والمقاهي والمطاعم بدلاً من مغلفات السكر الطبيعي "سكر المائدة" لأسباب تتعلق بهوس العصر وتقاليع التخسيس وبشكل مبالغ فيه للغاية، في المغلف الواحد يحوي من 5 إلى 15 جراماً من المحلى الصناعي، بينما الجرعة المحددة بأربعة جرامات.
أصبح مغلف السكر يرافق كوب الشاي، لملاءمته سرعة إيقاع الحياة العصرية، إلا أن اللافت هو استبدال الطبيعي بالصناعي، النافع بالضار.
جيلنا أصبح مغرماً بالطعم الحلو الذي يقدم من خلاله قوالب السكر في صورة مكعبات تذوب ببطء في أكواب الشاي.
صار كثير منا يستخدم هذه المحليات وهو لا يدري بالمخاطر الكامنة جراء إدخالها في أطعمتنا.
في ظل التسويق الهائل للصناعات الغازية، الصناعة المدمرة التي لعبت دوراً رئيساً في السمنة والسكري وهشاشة العظام ونقص الأملاح وتسوس الأسنان، إضافة إلى كونها البديل الضار للماء والمشروبات المغذية، وهنا لا بد من التوقف والتأمل بعمق للمشروبات الغازية الخالية من السعرات "دايت" وما تحتويه العلبة من بدائل السكر واكتشاف علاقة غير بريئة بينها وبين أنواع السرطان الحالية وأجيال الأورام القادمة!
نتوقف لتوضيح أبعاد ومساوئ تناول مثل هذه المشروبات، والغرض منه هو حماية المستهلك، خاصة الفئات الحساسة كالرضع والأطفال والأمهات والحوامل.
قرار التوقف عن المشروبات الغازية، واستبدالها بالعصائر المحفوظة، لقد استبدلوا السيئ بالأسوأ، يقال إنها عصائر وماهي بعصائر، لا تختلف عن المشروبات الغازية في قلة فائدتها مليئة بالمحليات الاصطناعية.
بنظرة تأملية للسكاكر والمشروبات الغازية والعصائر المحفوظة وتأثيرها الصحي، لكنها لا تسبب تسوساً للأسنان؛ لأنها لا تحوي سكريات يمكن للبكتيريا أن تحللها إلى أحماض، إنما هي مركبات كيميائية، وهنا لابد أن نستنتج أن البكتيريا لا تعد تلك بأغذية ولم تلق قبولاً، وبالتالي فإنها لن تُكوّن التسوس.
وهناك شواهد عديدة تربط بين طبيعة الغذاء وقبول الحيوان عليه، وهذا يفسر ظاهرة الحيوانات التي تأكل وتميل فطرياً إلى البقاء، هذه الحيوانات لها القدرة والمعرفة ما إذا كان الغذاء الذي يعيش عليه غذاء أو فيه سموم، هدى الله الحيوان ليتعرف إلى نوع الغذاء الذي يفيده ويشفي مرضه، فإذا وجدتَ نباتًا أو عشبًا لا تأكله الماشية، فاعلم أنه نبات أو عشب ضار فلا تقربه ـ وسبحان الله الذي ألهمها غذاءها الطيب من الخبيث، والإنسان الذي ميزه الله بالعقل يقبل على هكذا أغذية، يا للعجب!!
في السنوات الأخيرة بدا أن شركات التصنيع الغذائي قد أصيبوا بالجنون، فقد أغرقوا الأغذية والمشروبات الغازية والعصائر المحفوظة بنوع آخر من المحليات الاصطناعية أكثر خطورة، هو شراب الذرة عالي الفركتوز، فسكر الذرة عالي الفركتوز " HFCC، ليس سكراً طبيعياً مثل العسل وشراب الذرة، وإنما سكر يحضر صناعياً، وتقل تكاليف هذا الشراب عن غيره وهو أكثر حلاوة؛ ليتم استخدامه في تحلية العديد من المواد الغذائية كالمشروبات الغازية والسكاكر والحلويات واللبان والمعجنات وصلصات المعكرونة، ولكونه يحتوي على نسبة عالية من السكر فإن الإكثار من تناول تلك الأغذية يسبب خطراً على الصحة لوجود نسبة عالية من الفركتوز الذي يسبب ارتفاع سكر الدم والسمنة.
في المواصفة القياسية الخليجية رقم (GSO 995 / 2015 ) أدرج محلى ستيفيانا المستخلصة من نبتة ستيفيا، يعود منشؤُها إلى البراغواي، وتسمى غليكوزايدات الستيفيول (Steviol Glycoside) مادة محلية طبيعية، تتميز هذه المادة بأن تحليتها تفوق تحلية السكر بمئتين إلى ثلاثمائة مرة، كما أنها خالية من السعرات الحرارية، غالباً ما يجري مزجُ غليكوزايدات الستيفيول مع مادة مُحلية أخرى لمنحها القوام المناسب وللتغطية على الطعم المر.
جرت الموافقة على استخدام غليكوزايدات الستيفيول في عام 2010 من قبل سلامة الغذاء الأوروبية EFSA وذلك بعد إجرائها لتحليل شامل لجميع الأدلة المتوفرة حولها، وقد توصلت إلى أنها آمنة للاستهلاك الآدمي، والحد الأعلى للاستهلاك اليومي هو 4 مليغرام لكل واحد كيلو جرام من وزن الجسم، وامتدت شهرته إلى ما وراء الأطلسي، ورغم ذلك لم يحصل على موافقة الهيئة العامة للغذاء والدواء إلا بعد دراسة علمية عن مأمونية استخدامه، وأدرج ضمن قائمة المحليات المسموح تداوله في الأسواق، ولا يعني السماح بتداوله استعمالها بدون قيود وتوصيات، فيجب أن يتوخى المستهلك الحذر واتباع التوصيات عند شراء هذا المنتج.
هنا لا بد من التأكيد أن المحليات الاصطناعية "بدائل السكر" وضعت لها تشريعات تسمح باستخدامها تحت قيود صحية نظراً لعلاقتها ببعض الأمراض، فقد ألزمت الجهات الرقابية على المصنعين كتابة التحذيرات التالية بخط واضح وبارز:
- في حالة السكرين: استخدام هذا المنتج يمكن أن يكون خطراً على صحتك. هذا المنتج يحتوي على مادة السكرين الذي وجد أنه يسبب السرطان في حيوانات التجارب.
- في حالة الاسبارتام: لا يستخدم من قبل الأشخاص المصابين بمرض الفينيل كيتونوريا، أو عبارة يحتوي على الفينيل ألانين.
- في حالة المانيتول: زيادة الكمية المستهلكة على 20 جراماً في اليوم قد تسبب الإسهال.
- في حالة السوربيتول أو الزيليتول: زيادة الكمية المستهلكة على 40 جراماً في اليوم قد تسبب الإسهال.
- لا يسمح باستخدام المحليات الاصطناعية في جميع أغذية الرضع وصغار الأطفال ( GSO 995 / 2015).
وختاماً، نحن جيل صفى حسابات الأجيال السابقة مع السكر والذي كان عزيزاً ثم ذل، وحين ذل غدونا نسومه سوء الاستهلاك حتى أصبحنا دون أن ندري أكثر الأجيال إصابة بالسكر والسمنة وأمراض العصر التي لم تكن منتشرة لأجيال سبقتنا، أصبحنا لا نستخدم سوى بدائل السكر، ولا نتناول العصائر والمشروبات إلا بعد التأكد من كونها "دايت" وخالية من كميات السكر الخرافية، وهذا بالضبط ما قام به معظم الناس، حيث أصبحت السكريات والنشويات عدواً لملايين من المرضى الذين أسرعوا في التهام النعم، ثم صبوا جام غضبهم على السكريات البريئة من جرائمهم "النشوية" و"الدهنية"!!
المشكلة ليست في السكر والدهون، المشكلة في الذين يلتهمون نصف خروف ثم يصرون على شرب "دايت كولا"!
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.