وداعاً أسطورة كرة القدم (22)

يتساءل المتابعون والمهتمون والمتعطشون، سؤالاً شبه موحد؛ متى سيعود "البيبي دي أورو - Ei pibe de oro" -أي الفتى الذهبي - للملاعب، وهل تماثل للشفاء حقاً؟
الأنباء شتى، والأقوال متباينة، الصحافة تتفنن في الرصد والتخمين والتعجيل والتقدير، قريباً، بعيداً، أزمنة مفتوحة تطلق وتحت عناوين جاذبة.
ومن "بوينس آيرس" أخبار تتوارد، بتطمينات بأن الفتى في طور التأهيل الحركي المتقدم، بعد خضوعه لتمارين متدرجة ومتواصلة، وربما لا يحتاج لبلوغ المدة المقررة علاجياً.
وهناك محللون يقولون عكس ذلك، بأن الفتى يحتاج لفترة نقاهة إضافية فوق المدة المقررة بـ 6 أشهر، من أجل تماسك العظم والتئام الكسر تماماً، بالتزامن مع العلاج الطبيعي، لتأهيل العضلات والمفاصل لتصبحا أكثر مرونة.
جرعات يومية من التدريبات المكثفة مقسمة بين المنزل والمشفى، اكتسب خلالها لياقة مأمولة وقوة بدنية عالية.
سباق أخبار أخرى مقربة من الفتى تقول، قريباً سيطل نجمه في سماء الملاعب ولن يحتاج لتلك المدة الممنوحة لراحته، تباين أنباء حول زمن العودة المحملة بالتفاؤل، لكن السؤال الحائر عند المتلهفين لعودته المنتظرة؛ كيف سيعود؟ هل بكامل طاقته وحيويته المعهودة، تباشير ملؤها الانتظار وحالات ترقب، مسبوغة بقلق، هل يقوى على الجري مثلما كان؟
ثمة خشية تتلون بفرضيات، ربما سيفقد شيئاً من لعبه، بعضاً من فنه، أم أن الإبداع كامن فيه ولا خوف عليه، المسألة مجرد وقت والشغف طاقة صبر.
إن العيون مساحة شوق لرؤياه كيف سيكون، والظنون رمشة عين لا تبرح التصورات والتخيلات المتفاوتة، حنين المتفرجين يزداد ويكبر، ولهفة المحبين عجلى ولسان حالها يقول: متى يعود البدر لينير سماء وحشة الملاعب.
جاء قول الفصل من وكيل أعماله "خورخي بييلر" عبر التلفاز، بأن "البيبي دي اورو" لن يكمل فترة الراحة الممنوحة له من قبل الأطباء والمقدرة بـ 6 أشهر، لقد اكتسب الصلابة والقوة خلال 90 يوماً وباتت عودته قريبة جداً.
وبالفعل عاد "البيبي دي اورو" لمزاولة معشوقته الكرة بعد مرور 3 أشهر ونصف (106 أيام)، من لحظة إجراء عملية الكاحل مروراً بالعلاج والتأهيل، وبالفعل تأكد الأطباء أنه قادر على اللعب بكل أريحية وطمأنينة، أعطوه الضوء الأخضر نحو الانطلاق.
عزم وتفاؤل وإصرار قاده لاختصار زمن الشفاء.
إن الإيحاء الذاتي واستنهاض القدرات يأتيان بالمعجزات! أما الاستسلام والعجز والخضوع للوهم، شراك توقع صاحبها في مغبات اليأس وتؤخره عن بلوغ الركب.
عاد الفتى والشوق يملأ جوانحه وكل كيانه، انطلق نحو الميادين بروح الجائع والعطشان، راكضاً كالطير المحلق في السماوات.
عودة كبرياء، والمسرة تعانق جماهير برشلونة، تزفه قائداً بأناشيد فرح وطرب.
عاد لصفوف ناديه والصحب يشدون أزره وكل الرفاق.
وينخرط في أولى المباريات بعد رحلة التشافي الطويلة القصيرة، مباراة ضمن سباق الدوري والذي يوشك على الانتهاء جاءت أمام فريق إشبيلية على أرضه وبين جماهيره، امتلأ الملعب عن آخره، من أنصار ومشجعي الفريق الأندلسي، حين نزل الفتى لأرضية الملعب وقبل بدء المباراة بدقائق حيته كل الجماهير لمجرد إطلالته، شوق عند العيون المنصفة التي تحب كرة القدم دون تعصب.
تنقل الفتى بين جنبات الملعب، بقفزات غزال يتراقص على العشب الأخضر، ومن رجليه اليسرى يودع الكرة في الشباك هدفاً أول ثم أردفه بثانٍ، هلل المشجعون الذين يحبون الكرة بتجرد بأن محبوبهم بخير، ورجلاه لم تفقدا تصويباتهما المتقنة.
والشيء المدهش جماهير إشبيلية رغم هزيمة فريقها حيت الفتى بتحية عاصفة من الحب والتقدير والاعتزاز، مشهد يحيلنا إعجاباً وإبهارا لنفوس راقية تأنس حباً للفن الكروي الخالص، مشهد غير معهود، يخيل للمرء بأن الفتى كأنه أحد أبناء مدينة إشبيلية البررة، هل هي تحية لعودة لاعب أبعد عنوة نتيجة قسوة مفرطة، أم تحية طمأنينة بأن سحر مهاراته الفريدة لم تزل في أمان، هي تحية صدق للاعب فنان أسر القلوب بإبداعاته؟
وعن هذه اللحظات يقول مارادونا: "عدت إلى اللعب بعد التعافي من إصابة خطيرة في كاحلي، وشاركت في مباراة أمام إشبيلية في 8 يناير عام 1984 وسجلت هدفين، وطلب الجمهور إخراجي من الملعب لتحيتي، كان من أعظم الهتافات التي سمعتها في حياتي، المدرجات كلها تهتز باسمي"، هي أول مباراة يخوضها بعد عودته شبه العجائبية.
أصبح شعب البلوجرانا فرحاً بعودته القوية المتسمة بالتحدي والعنفوان، ويرونه المنقذ لبقية المواجهة القادمة بحصد النقاط للظفر بالدوري، وتأتي المباراة الثأرية بالنسبة لمارادونا حينما سجل هدفين في مرمى أتليتك بلباو -2 مقابل واحد لصالح البرشا - ارتياح نفسي ساد أجواء كاتلونيا وعند الفتى روح معنوية عالية، بكسر أنفة الأتلتيك وتنفيس غل وكبت مما أصابه من هذا الفريق تحديداً ومن جزاره المتوحش.
وصفت صحيفة "الغاردن" الموقف بـ "الانتقام البارد"، لكن المهمة لم تنجز بعد، فوز برشلونة لم يكن كافياً لمنع بيلباو من الفوز بلقب بطولة الدوري الإسباني متقدماً بنقطة واحدة على برشلونة.
أسفرت نهاية الدوري بفارق نقطة هي الأغلى، أهلت انتصاراً لأتليتيك بلباو على كل الفرق الإسبانية، تفوق بدرع الدوري لعام 1984، نصر تحقق لهم فخراً، لأنه جاء بأقدام محلية ضمن نطاق إقليمهم فقط، الذي يعتبر تاريخياً بأنه أقدم موطن لشعوب القبائل الأوروبية.
تباهت الجماهير الباسكية بمنجزهم الرياضي وطبول الكبرياء بلغت أقصى مداها، لكن التحدي قائم على أشده بما هو قادم حينما يتواجه الفريقان الكتالوني والباسكي ثانية عما قريب، وأي مواجهة ستكون؟!



