أطلال من أمسيات الخريف

على أثر من أطلال أمسيات الخريف، ومن بعد سبات عميق في مراقد الغفلة والنسيان فتحت عيناي.
لم تلبث تلك الأطلال أن أخذت بقرع بوابة ذكرياتي الهاجدة، فاستفاقت آلام جراح قد أثخنت بها مهجتي وعاودت مخيلتي أطياف حب وهيام قانط بأعماقي، وراودتني سكرات وجد وغرام قد هام لفرطها فؤادي وبدأت تتأجج نيران الأشواق والحنين.
وأخذت تتنازع مهجتي جنود غفيرة من الأسى والجوى، وجرتني لتذكر قصة هوى طويلة مديدة، فأخذت أعرج بأطوار ذلك الهوى السرمدي، والذي بدأت قصة عذابي في هوى محبوبه منذ أن أوجدني الله في عالم الذر، وحكم علي بأنه سيظل معي أبد الدهر، ويلازمني حتى في ساعة المحشر، فبداية للأمر استشعرت الراحة والطمأنينة.
لم يلبث أن تحول ذلك الشعور لميل شديد جرفني حيال ذلك المحبوب النادر الوجود، ولم يقتصر وجود واستبداد ذلك الحب على تلك الحقبة الزمنية من أطوار حياتي، بل تمادى وطغى فقيدني بأغلال الغرام العنيفة منذ أن بدأت روحي تنبض بين جنبي جنيناً في رحم أمي وزاد من شدة وطئه على قلبي ومنذ اللحظات الأولى التي أتيت بها إلى الحياة.
ولم يدعني ذلك الهوى عند هذا الحد، حيث تملك زمام أموري فأنقذت لأمره ونهيه واعتقلني في سجون هواه، فحكم علي بالسجن المؤبد في منتجعاته وتعاهدني بملازمته لي طوال الحياة وحتى في الممات وما بعد الممات، وكذا في يوم الحساب، لذا تبرعمت آثاره في سائر كياني، فسرى حبه القوي في دمي، ونشبت أغصانه من وجد وهيام بشراييني، وترسبت تبعاته من وجد وأنين بأعماقي، فأخذت ألهج باسمه، فشغف به لساني حباً وأدمنه ذكراً.
فلم أبالِ بما قد أواجهه في سبيل الوصلة به من صعاب وبما قد حكم علي من سجن طوال الحياة، وبما قد ألاقي من جراء ذلك الهوى من أسى وعذاب، فغاية النفس وجل آمالها رضا ذلك المحبوب والمكوث بجواره حيثما كان أصرف أقلامي عن مواصلة الحديث رغبة من نفسي التائهة في صحاري الأشواق والحنين والمثقلة بأعباء الوجد والهيام، لأجدني أسيرة قضبان الأشواق لذكراه مجددًا حينما أستمع لقول الشاعر:
أمات الحب عشاقا
وحب حيدرة أحياني
ولو خيرت في وطن
لقلت هواه أوطاني



