أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رفضت أن تكون سجينة الرفوف

بدرية آل حمدان · القطيف اليومالسبت 7 أغسطس 2021، 5:27 م
رفضت أن تكون سجينة الرفوف

وسط الرفض للطموح تتصارع الأبجديات التي تعبر عنها وعن طموحها أمام كل نجاح يقابل بموجة من التحبيط، تثبت أنها قادرة على مواجهة كل التحديات؛ عندها فرضت طموحها على قوة عقلها الباطن، الذي أثار فيها طاقة التحدي، وهي تتجول في مكتبها وقع نظرها على كتاب يحمل عنوان "اكتشف وبرمج عقلك الباطن" تلك القوة التي تكمن فيها التيارات الروحية فلا سلطة لأحد عليها، مطلقة بلا قيود، والتي تمدنا بالقوة والفاعلية، لتفتح أمامنا نوافذ البصيرة والارتقاء والتحليق للأعلى، سُلم الصعود يوجد داخل نفق من نور العلم والمعرفة والبحث الفضولي عن مكنونات النفيس من ينابيع الحكمة، "من أخلص العبادة لله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" (2). بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 53 - الصفحة 326.
وضعت قدمها على درجات سُلم المعرفة، لتبدأ رحلة البحث؛ كي تصل لقمة الجيل، ارتدت كنزتها الصوفية ووضعت حقيبتها القماشية المفضلة لديها على كتفها، حاملةً قلمًا وبعض القراطيس بين يدها، وفي رحلة صعودها اهتز السُلم لكونه معلقًا فزلت قدمها فارتبكت قليلاً فسقط القلم والقرطاس من يدها، حاولت النزول بسبب هيبة الموقف والعلو، لكن صوتًا داخليًا وهو الإدراك منعها فهي لا تتعامل مع حواسها المادية وإنما طاقتها الروحية تأمرها بالصعود ومواصلة الرحلة والبحث عن حروفها الذاتية لكتابة سيرتها الذاتية بحروف من نور فهي جزء من ذلك النور والتي ستجعلها خالدة في ذاكرة الحياة، وليست سجينة في صفحات الكتب المعلقة على أرفف المكتبات، أخذها السُلم إلى نهاية النفق حيث النور والفضاء، والشمس والقمر والنجوم، وكويكبات الحروف تسبح في الفضاء في مجموعات بعضها قريبة من القمر وبعضها مرتبطة بالشمس بخيوط شعاعية، اقتربت من القمر، فالتقطت الحروف المضيئة والمتطايرة، استلت خيطًا من كنزتها الصوفية لعمل قلادة من منظومة حروفها القمرية المتزاحمة حول قمرها المكتمل لتقبل شفاه كرمزية تقطر خمرةً في كأس الهوى معاني لعشق جنوني خصّب ألفاظه يراع يتدفق ينابيع عذبة تسقي الوله والشوق ليحتضن ليلة قمرية صاغتها كلمات تمخضت في الوجدان وولدت من رحم معاناة.
انحسر المد الليلي وانجلى الظلام ببزوغ الشمس استفاقت بعد انحناء بسيط وغفوة في حضن السماء، رفعت طرفها نحو طاقة النور عاينت حروفها الشمسية المتدلية بخيوط شعاع الشمس، مدت يدها لاقتطافها حرفًا حرفًا، قوة الجاذبية التي تتمسك بها الحروف بالشمس قوية تفوق قوتها الجسمية، أخذت في المحاولة اقتطاف الحروف المضيئة لكن ضياءها المشع حال بينها لقوته أدمع عينها لتنهمر من نمير صافٍ رقراق، تناثرت تلك الدموع على طول أسيلها، أخجلت حروفها الشمسية، التي أخذت في الوميض؛ أخرجت منديلًا أبيض مطرزة حوافه بأزهار المارغريتا اللؤلؤية في وسطه قلب أحمر يحاط بأجنحة حمامة بيضاء من حقيبتها الكتانية، مسحت به دموعها، تبسمت لحروفها ابتسامة تغنج، حاولت الوصول والإمساك، لكن يدها أخذت في الرجفة وكأنها مصابة بمرض "باركنسون" الذي جعل أصابع يدها ترتعش، حركتها بطيئة لا تستطيع القبض على الأشياء، انتابتها حالة من الانقباض والانبساط، أنامل يدها تحاول مقاومة الانقباض الذي حول الإرادة إلى تردد وخوف، والانبساط ما هو إلا حركات رشيقة مغرية تتراقص على نغمات اهتزاز نوتة موسيقية، حاولت لمسها للشعور بالأمان، اقتربت من حروفها المتدلية كأنها عناقيد عنب حان قِطافها أحست بحرارة بعضها كأنها جمرة حارقة تتوهج لهيبًا وبريقًا، وبعضها بارد كقطع الثلج في قدحٍ من عصير العنب الأحمر، ارتشفته في مفردات تهدئ نشوة العشق ولهيب الشوق، حروف أُخرى وجدتها في غاية البساطة طبيعية ترابية، نسجت غزلها بخيوط الشمس الذهبية قصة حلم إنسان عاش على الأرض يحلم بالتحليق في الفضاء الواسع اللامحدود؛ حيث لا فوارق ولا عنصرية ولا فواصل ولا حدود، ترابي، رشاقة وخفة كغيمات عطشى للمطر، تلك الحروف بطبيعتها الهوائية، نفس عميق تنفسته يملأ رئتيها للتمكن من إلقاء جملها التعبيرية وسرد أحاديث المساء من روايتها "سجينة صمت" دون أن يضيق نفسها أو تحس بالبشرقة فجأة، امتلأت حقيبتها بالحروف، عادت من رحلتها بعد اكتمال منظومة أبجدياتها التائهة لتسطر مخطوطتها الحُلم من خلال سلوكياتها على صفحات حياتها وترجمة يراعها إلى تعاملات وأفعال تبني حصونًا وقلاعًا صامدة، تبقى معالم خالدة في إنسان "الفطرة" لا بيوت واهنة تسفي عليها السوافي، أو من رمال تهدمها الأمواج.