أبشركم وصلنا للجنة!

حين يأتيك أحدهم ليقول سأبشرك ببشرى تلقائيًا سيتهلل وجهك خاصة إن كان بذهنك أمر يتعلق بأمر متعسر وتنتظر تيسره، من مريض تنتظر شفاءه أو أسير تنتظر فكاكه أو غريب ومسافر ترتقب عودته، أو طالب للذرية ترجو عدم اليأس بطول انتظاره.
وناقل البشرى السعيدة ينال البشارة وهي مقدار من المال قد يهديه إياه من أُثلج قلبه من تلقى تلك البشرى.
واليوم أنا أبشركم أننا وصلنا للجنة!
والجنة أقصد بها جنتنا التي هي ليست تلك الجنة التي تتدلى منها الثمار وتكتسي بالخضرة وتجري فيها أنهار اللبن المصفى، ونتنعم فيها بالولدان والحور والاستراحة على الأرائك والعيش وسط القصور المرصعة بأنواع الدر والجوهر، ومع كل الصور الجميلة عن الجنة التي لا تدركها عقولنا محدودة المدى حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر.
جنتنا مختلفة وغريبة قد يكتنفها المستحيل من اجتماع النقيضين، قد تبكي فيها على محبوب السماء لكنك بداخل قلبك تعيش السرور لإسعاد قلب سيدة تحب البكائين مثلها.
جنتنا تكتسي السواد فيها بكل مكان تحسب أنه يتوجب تفصيل ثوب كاف لتكتسي السماء بجلباب السواد لتكتمل اللوحة فلا غيوم بيضاء ولا سماء زرقاء بمشهد الجنة، أنوارها حزينة وفاقدة لسنا النور إلا من بصيص نور بنهاية طريقها تعلو فيه مرأى قبة ذهبية تغازلها راية حمراء هناك من يقوم بتبديلها للون الأسود المتألم بشهر الحزن والذي منذ أن تتبدل تتهادى الصرخات منادية باسم الشهيد العالمي الذي لايزال ينتظر موعد ثأره.
أيتام كُثر قد تصطدم بحيرتهم التي تلتقي مع يتمك المجروح بحرمان القرب، ليبكي اليتيم مع الحائر والخائف بالطرقات ليصفوا مقدار الحرمان والأشواق الذي لاتزال الأيام تجرح إحساسهم بحرقة عند كل لفظة لاسم جنة الأرض، فحتى لو كانت الجنة مكانًا للنعيم والسرور إلا أن هذه الجنة قلت لكم تحمل اجتماع النقيضين فالسرور الروحي يأتي للأرواح بعد الصراخ والعويل وتورم الأجفان من البكاء من تذوق معنى الحرمان.
نعم نحن وصلنا لجنة كربلاء حين وصل لها حسيننا، وصلنا وتوقفنا حين توقف مهره عند ذاك الموضع الذي لا أستطيع وصفه بأي كلمة تتلاءم مع كمية الألم الذي يتفجر منه.
توقفنا لنجد أننا لانزال هنا لم نقطع واديًا ولم نعلُ جبلًا، لم نعطش لم نتعب لم نعمل شيئًا يُذكر يستحق دخول جنته، نحن أقرب لليأس من إصلاح أنفسنا البالية التي لاتزال ترجو العلاج من علة الروح التي عجز الأطباء عن علاجها ولا أظن أن نظرة عين الحسين تُخطئ في علاجها.
نحن فقط وقفنا على باب مغلق لمآتمه حيث مزاره القريب لنا لنشم منه ريحًا من عبق جنته.
وبإغلاق بابها تملكتنا الحيرة أنقف أم نستسلم ونعود لتحمّل النار، خانتنا بالبداية الأقدام لانهزامها ورغبتها بالعودة لتحمل كّي قلوبنا بالنار، ولكن كنا نحتاج لوقفة كوقفة الحر الذي خيّر نفسه بين الجنة والنار وقرر ألا يختار على الجنة شيئًا، وعادت الأقدام وتراجعت عن الاستسلام للأبواب المغلقة، فالبشرى أتت وفُتح الباب لنا فهناك رحمة ولطف حنون مس قلوبنا المسافرة له بعطف، لتفتح لنا ليس بابًا واحدًا إنما أبوابًا، حتى ولو لم ننطق بكلمة توسل واحدة أو طلب توسط من أحد.
في الجنة يُقال حين يشتهي المؤمن شيئًا يأتيه فورًا حتى دون إشارة.
نحن بأيام الحسين وفي مآتمه حقيقة ندخل للجنة التي ربما لا يستشعر البعض جمال الدخول فيها وتقلب الأرواح بالنعم داخلها، ويختلف مذاق كل شيء فيها حيث يكون الماء ألذ وأروى من مائنا الذي نشربه ببيوتنا، وصنوف الطعام والشراب التي توزع وتلامس اسم الحسين تكون أكثر لذة وأمانًا من أي صنوف للطعام والشراب التي تُقدم بأغلى مطاعم العالم.
وصلنا لجنة كربلاء الحسين حتى لو لم نطأ تربتها لكن أظن أن كربلاء أصبحت تتعدى قانون المساحة أكثر من ذي قبل ولم تقتصر على كربلاء العراق، بل أصبحت كربلاء وجنة الحسين موجودة بكل مكان يفتح بابه لاستقبال أيتام الجرح الحسيني والتشرف بوجود سيدة النساء فيه ليجدد عهده معها ويردد أبدًا والله يا زهراء ما ننسى حسينًا.
وبالنهاية أقول الجنة ودخولها لا يأتي مجانًا فلابد من تحمل عناوين الكرب والبلاء للتنعم بلحظة دخولها فلابد من التسابق لدخولها ألم يخبرنا الله بقوله {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّات النَّعِيم}، ولكن فلنحذر من الانشغال من العودة لمس الشجرة الملعونة كي لا نكون عرضة للإبعاد والطرد الذي لا يطيقه أحد ولا تتحمله أي روح وُجد في نبضها الحسين وحبه.



