لبيك يا..

حين نحب أحداً ما فنحن نسعى لتلبية أي طلب يطلبه ونجتهد لأن نكون سبباً في تحقيق أمنياته.
الحب يجعلك تتحمل كل صعب وكل ظرف قد يكون عائقاً في سبيل إرضاء محبوبك.
يقال الحب أعمى وإنه يُعمي ويصم، وترى المحب لا ينظر إلا لصورة الإشراق وصورة الصفات الحسنة التي يعدها متفردة ولا يملكها سوى محبوبه، ولا يريد سماع إلا الجميل عنه.
الحب جميل بالعلاقات الإنسانية لكن الأجمل إن كان في المسار الصحيح بلا تعلّق زائد قد يُفقد الشخص حتى شخصيته لتطبعه بصورة وشخصية الحبيب التي تمسح هويته وبصمة يده التي خلقها الله مختلفة عن كل البشر، وإضافة لذلك يجب أن يكون حبنا بالنطاق المسموح من الشرع وليس من الشارع!!
نحن في زمن باتت الأبواب مشرعة للانفتاح نتيجة غياب الوازع الديني وغزو وسائل التواصل التي باتت مظاهر العلاقات بين الجنسين تحدث علناً حتى غدت شيئاً اعتيادياً لا تنكره العين، وصور التبرج والسفور باتت منتشرة بشكل مخيف.
الصور التي كانت بالسابق حين تضيع صورة لفتاة تقوم الدنيا ولا تقعد لكي لا يراها الأجانب، الآن باتت الفتاة نفسها تضع صورها بصور العرض والبعض يضعها ربما بالحجاب الكامل ولكن البعض يضعها بإظهار شيء من الشعر وزينة المكياج بدون أي حرج وحياء ممن سيراها من الجنس الآخر الذي سيلقى غايته بمزيد من التأمل الذي لا يحظى به بالأماكن العامة.
والغرابة كل الغرابة ممن تشتكي بعدها من محاولات التحرش والتواصل المستمر وهنّ من فتح الباب لذلك بالبداية!!
للأسف مقاييس التحضر باتت بعصرنا تُقاس بمدى التجرد من الهوية الولائية، واستبدالها بلبس هوية مخالفة رسمها ذاك المشهور أو تلك المشهورة الذين باتوا محبوبي الشعب.
قد تجد أناساً تصرف طول العام أموالها بسبيل تقليد حقيبة أو حذاء أو فستان أو بدلة لأحد المشاهير ليتباهى بها وسط أقرانه، لكن حين يأتي المحرم البعض حتى لا يدفع عُشر ما يصرفه طول العام على الملابس ويقول لك لا أملك ملابس سوداء لألبسها!!
أفقر هو أم عدم محبة واهتمام؟
أنا أظن أنه حتى الفقير مهما كانت درجة فقره فثوبه الأسود جاهز يواسي أيام كربه، وهناك الآن من يبيعون الثياب السوداء بأسعار زهيدة يستطيع الكل شراءها، وأحسبهم يقولون فقط تعالوا وخذوها وارتدوها وألبسوا أطفالكم السواد.
عجبي لمن يتهيأ لأفراحه قبل شهور ويشتري أغلى الثياب وأفخرها لصغير عائلته وكبيرها، ولكن شهريّ الحسين لا تستحق منه أي استعداد مسبق إلا بضعة أيام قليلة يرتدي السواد فيها حال اشتداد العشرة.
حين يُتوفى شخص عزيز لأحد نحبه نقوم بتأدية واجب العزاء له ونلبس السواد معه وربما إذا كان مقربًا جدًا قد نعلن صور الحداد بكل وسائل تواصلنا مواساة لمصابه ولحبنا له نحن نحزن لحزنه، ولكن ماذا عن حُسيننا؟
بالطبع أنا لا أعمم، فهناك فئات من الناس تثلج القلب وتسره، لكن البعض يجد أن نشر السواد ولبسه شيء عادي ولا يعبر عن القلب، ولكن هذا من أبسط الشعائر سهلة التنفيذ التي تُعرف بها هويتنا الحسينية بأيام حُسيننا ومصابه.
الشعائر هي العلائم التي بها تُرسم لأذهننا منها صورة دينية لهذا الله عز وجل دعى لتعظيمها بقوله: "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".
نحن نستمد القوة على أمور ديننا من هذه الشعائر، فإذا تجردنا منها فلنقل بعدها أهلًا بالضعف والوهن والتراجع للجاهلية الأولى.
أصحاب الحسين لحبهم لحسينهم أعلنوا تلبياتهم الحقة التي لم تتزلزل حتى برخصة الحسين لهم بالرحيل، فالقوم لا يريدون غيره، لكنهم طلقوا دنياهم وباعوها بدمائهم ليشتروا الآخرة بصحبة الحسين محبوبهم.
قد نقول ونردد شعار لبيك يا حسين بكل مجلس نحضره، ولكن هل نحن نقولها لفظًا وعملاً؟ أم أنها مجاراة لما يقوله القارئ والخطيب؟
فلنفكر مليًا نحن بماذا نملأ الفراغ حين نقول لبيك يا...؟
هل الحسين من يملأ وجودنا قبل ملء هذا الفراغ، أم أن من لا يسير على نهج الحسين هو من يشغل كل فراغاتنا؟!



