الإمام السجاد (عليه السلام).. والحركة العلمية

من الجوانب المهمة في حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام) اهتمامه بالجانب العلمي، ونشر الثقافة الإسلامية الأصيلة وسط تلك الظروف الصعبة التي عاشها الإمام (ع) وعاشتها الأمة بعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام).
ولذلك اتخذ الإمام السجاد (عليه السلام) من المسجد النبوي الشريف منطلقاً لنشر تعاليم الإسلام، وخلق نواة مدرسته العلمية والتي تخرج فيها ثلة من المحدثين والفقهاء.
صناعة الكفاءات العلمية
كان الإمام السجاد (عليه السلام) يشتري العبيد والإماء ولكن لا يبقي أحدهم عنده أكثر من سنة واحدة، وخلال هذه السنة كان الإمام يعاملهم معاملة إنسانية مثالية، مما يعزز في نفوسهم الأخلاق الكريمة ويحبب إليهم الإسلام وأهل البيت (عليهم السلام). كما كان الإمام (عليه السلام) يعلم الرقيق أحكام الدين ويغذيهم بالمعارف الإسلامية، بحيث يتخرج الواحد منهم محصناً بالمعلومات التي تفيده في حياته ويدفع بها الشبهات ولا ينحرف عن الإسلام الصحيح (1).
إن هذا الدور الذي قام به الإمام (عليه السلام) هو دورٌ واعٍ بمتطلبات المرحلة وتخطيط إستراتيجي لإيجاد حركة وتيار فكري أصيل في وسط الأمة، كما استطاع الإمام عليه السلام أن ينشر هؤلاء الكفاءات العلمية في أرجاء المعمورة ليكونوا مبلغين للفكر المحمدي الأصيل ونقله للأجيال اللاحقة.
نموذج مشرق
لقد تخرج في مدرسة الإمام زين العابدين العديد من الفقهاء والمفسرين، منهم أبان بن تغلب بن رباح، أبو سعيد البكري الجريري: كوفيّ المولد والنشأة، وكان نابهاً ومقدّماً في كلّ فن، من قرآن وحديث وأدب ولغة ونحو، وتتلمذ عند الأئمّة الثلاثة: السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام)، وكان يقول له الإمام الباقر (عليه السلام): "اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس فإنّي أُحب أن يُرى في شيعتي مثلك"، وألّف أبان في تفسير غريب القرآن وفي فضائل أهل البيت كما روى ما يناهز ثلاثين ألف حديث عن أئمّته (عليهم السلام) (2).
الإمام السجاد (عليه السلام) والتنمية العلمية
(1) تشجيع طلب العلم: فقد كان (عليه السلام) يشجع أفراد الأمة على طلب العلم، ويذكر تلك المكانة العالية التي يقف عليها طالب العلم، فقد رُوي في مكارم أخلاق الإمام علي بن الحسين صلوات الله عليه أنه (ع) كان إذا جاءه طالب علم قال مرحبًا بوصية رسول الله (ص) ثم يقول: إن طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجله على رطب و لا يابس من الأرض إلا سبحت له إلى الأرضين السابعة (3).
كما كان (عليه السلام) يزرع في نفوس الشباب الهمة والطموح في طلب العلم، يقول الإمام محمد الباقر (عليه السلام): كان أبي زين العابدين (عليه السلام) إذا نظر إلى الشباب الذين يطلبون العلم أدناهم إليه وقال: مرحبًا بكم أنتم ودائع العلم، ويوشك إذ أنتم صغار قوم أن تكونوا كبار آخرين (4).
(2) الاهتمام بالمعلم فهو صانع الفكر، وصانع الحضارة، وله الأيدي البيضاء على أفراد المجتمع، لذلك وجب توقيره وتعظيمه، وحسن الاستماع إليه، وإعطاؤه المكانة التي تليق بعلمه وفكره. لذا خصص الإمام السجاد (عليه السلام) حقًا من رسالة الحقوق يتحدث فيه عن المعلم فيقول: "وحق سائسك بالتعلم، التعظيم له، والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه، وألا ترفع عليه صوتك ولا تجيب أحدًا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحدًا، ولا تغتب عنده أحدًا، وأن تدافع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا تجالس عدوه، ولا تعادي له وليًا، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه عز وجل لا للناس" (5).
(3) نشر العلم وعدم كتمانه، فمن يمتلك معلومة ومعرفة فإنه مسؤول عن نشرها في ربوع مجتمعه، ليعيش المجتمع مستفيداً من هذه المعلومات.
إن نشر العلم يعني أن نصنع مجتمعاً واعياً، ناهضاً، ولذلك يقول الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق: "وأما حق رعيتك بالعلم: فأن تعلم أن الله قد جعلك لهم خازنًا فيما آتاك من العلم وولاك من خزانة الحكمة فإن أحسنت فيما ولاك الله من ذلك وقمت به لهم مقام الخازن الشفيق الناصح لمولاه في عبيده، الصابر المحتسب، الذي إذا رأى ذا حاجة أخرج له من الأموال التي في يديه، كنت راشدًا، وكنت لذلك آملًا معتقدًا، وإلا كنت له خائنًا ولخلقه ظالمًا" (6).
الهوامش:
(1) أعلام الهداية الإمام علي بن الحسين زين العابدين، ص 154
(2) المصدر السابق، ص 220
(3) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 1 - الصفحة 168
(4) الدر النظيم - ابن حاتم العاملي - الصفحة 587
(5) شرح رسالة الحقوق - الإمام زين العابدين (ع) - الصفحة 409
(6) شرح رسالة الحقوق - الإمام زين العابدين (ع) - الصفحة 471



