أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الإمام الرضا (ع) سعة معارف وكمال أخلاقي

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالجمعة 24 سبتمبر 2021، 8:24 م
الإمام الرضا (ع) سعة معارف وكمال أخلاقي

لقد تجلت كل آيات العظمة والكمال في شخصية الإمام الرضا (ع) كما كان عليه آباؤه الطاهرون، مما أكسبه مكانة بين الناس فانجذبت القلوب والعقول إليه، متخذين من حكمه ومنطقه السديد وتعامله الحسن وسلوكه القويم قدوة يتأسون بها، ولم يقتصر الإعجاب والإكبار لشخصيته على مستوى شيعته ومحبيه، بل كان أعداؤه ممن يكنون له الكراهية والحقد ولكنهم لا يمتلكون إلا التسليم والإقرار بمستواه العلمي والأخلاقي الرفيع، فكل من تعامل معه وسمع منطقه عاش أجواء زمرة الأنبياء والأولياء الذين سمتهم العطاء بجميع أشكاله.
وبالتأكيد فإن ذلك الانجذاب إلى شخصيته ناشئ من علاقته بربه التي يستمد منها هيبته وقوته الحضورية في كل المواقف المتواجد فيها، فالإمام الرضا (ع) أعطى مفهوماً واضحاً للعبادة والقرب من الله تعالى بالتركيز على مضامينها ونتائجها المؤثرة في السلوك الإنساني وانطباعاتها على النفس البشرية، فالعبادة صياغة للشخصية وفق قيم أخلاقية يتحلى بها المرء، وينال الاستقامة والمناعة النفسية من خلال المواظبة عليها، متخلياً عن الآفات الأخلاقية والعيوب التي تخدش المقام المنشود له، وهو الرقي في درجات التكامل والسمو الروحي.
فما فائدة العبادة إذا لم تيقظ الضمير وتجعله رقيباً على الجوارح والقلب فيما يفكر ويشعر به تجاه الآخرين، فهناك الخائن والفاسد والفاجر ولكنه يؤدي طقوس الصلاة والصوم؛ لأنه لم يتجاوز الهيئة والصورة ولم تنبعث نفسه نحو التحلي بقيمها والتزين بها، فالعبادة التي نستقيها من الإمام الرضا (ع) منهج معرفي وسلوكي يكتسب منه المرء الخوف من الله تعالى واليقظة الروحية والقوة الإيمانية في مواجهة صعوبات الحياة ومحطات الابتلاء فيها، وتطبيق مبادئها في جميع تعاملاته وتصرفاته بما يدل على سمة الاقتداء بسيرة الطاهرين (ع).
وعاش الإمام الرضا (ع) روح الإمامة مسؤولية وتبليغا وهمة في جميع مناحي الحياة، فقد كان طلاب العلم في لهفة وعشق للمعارف الحقة وتحصيلها من منابعها العذبة، وقد وجدوا ضالتهم المنشودة في شخصية الإمام الرضا (ع)، إذ اعتلى منبر جده المصطفى وبث المعارف القرآنية والشرعية والعقائدية، في زمن ضج بالأصوات النشاز والمنحرفة على المستوى العقائدي والأخلاقي، فالفرق الضالة أخذت في بث شبهاتها وأفكارها الضالة المحدثة للحيرة والفتنة في الأمة، ولم يخرس تلك الألسن إلا صوت الحكمة والبرهان الرضوي، فوقف أمام تلك الشبهات بالأجوبة الشافية كما في شبهة العصمة للأنبياء وغيرها.
وبحق فقد كان عهده معرفياً بامتياز زود من خلاله العقول الحائرة بما يوجهها نحو النجاة والحق، وهذه مجالس المناظرات في مجلس المأمون تشهد للإمام الرضا (ع) بالعلم اللدني الذي لا يحار أمام أي سؤال يطرح عليه، إذ كان يحضر تلك الاجتماعات العلمية العلماء من كل المذاهب والطوائف وتطرح فيها المسائل العلمية بمختلف التخصصات فيها، فكانت الإجابة الحاضرة لكل سؤال والشافية والقاطعة للنزاع هي إجابات الإمام الرضا (ع)، فكانت تلك المناظرات من أقوى الشهادات العلمية في حق الإمام (ع) لتعددها وكثافة الحضور فيها من العلماء المختلفين مع منهجيته وفكره (ع).
ومن معالم العظمة في شخصية الإمام (ع) سمو شخصيته وخصاله الأخلاقية الرفيعة، تعامله الرفيع والراقي مع الجميع دون استثناء، بما كان يثر الجاذبية والاحترام والمحبة من كل من يتحدث معه ويجالسه، فقد كانت (ع) سمته التواضع ولين الجانب والانبساط في الحديث، وحتى في فترة ولاية العهد التي نصب فيها لم تتغير معاملته الراقية مع الآخرين، بل وأتى بما لم يكن معهوداً عند أكثر الناس وهو مجالسة عبيده ومؤاكلتهم على مائدة واحدة، مرجعاً (ع) الناس إلى حقيقة قرآنية ودعوة إسلامية وهي المساواة بين البشر حرهم وعبدهم، ولا تمايز بين واحد وآخر وتفضيل إلا من جهة التقوى والقرب من الله تعالى، وبذلك أعطى الإمام الرضا (ع) درساً عملياً وتطبيقياً جسد فيه أخلاق الإسلام بنبذ العصبيات الطبقية والعنصرية.
ومن معالم العظمة في شخصيته (ع) هو بساطة العيش والزهد في الدنيا، في وقت أقبلت عليه الوجاهة في الحكم ولكنه أعطى درساً آخر يكشف معدن أهل البيت الأصيل وعدم اغترارهم بحطام الدنيا الزائل، فقد كان (ع) يجلس مع جلسائه على الحصير في مظهر ينم عن قمة التواضع والمواساة للفقراء، وورد أنه يلبس الغليظ من الثياب مع حفاظه على التزين أمام الناس، وكل ذلك يكشف عن الإعراض عن الاهتمام بالمظاهر، بل كان (ع) يدعو لصب الاهتمام على المخبر وتنظيف الفكر من الشبهات والجهل وتقويم السلوك نحو الرقي في التعامل، في وقت نرى التهافت على آخر صرعات الموضة بنحو الإسراف من مرضى وهم العظمة في المظاهر.