حُزنائيل يهبط من سماوات الفن الكثيفة.

منذ عتبة الكتاب و فاطمة الدبيس تطبع على وجه قارئها دهشة السؤال عن هذا الحزن الذي اختارت أن تعطيه شيء من تعبيرات الملكوت و ترادفات الغيب.
حزنائيل !!
تقول: "تمارسني الكتابة.. كما تمارسني نُزهة عرفانية في سماوات الفن الكثيفة"
تدخل الدبيس عوالمها الكتابية غير عابئة بالأجناس الأدبية.. و صرامة أشكالها.. تقدم مزيجًا متجانسًا من الأشكال المتداخلة.. نثر أدبي فوقي.. و نثر له ملامح سردية و نصوص تفعيلية و عمودية في رؤيا شعرية جامعة.
حزن لا يكف عن البكاء البلاغي و "بكاؤها مونولوج في مسرح مهجور يضجُّ فيها و فيه تصفيقُ العدم"
أما الضحكات فهي "فارغة تفهرس شواردها".
لوهلة و أنا أنظر لحجم الكتاب ظننتُ أني سأستغرق وقتًا طويلًا في قراءته.. إلا أن رشاقة اللغة و إيقاعها السريع فرضا حضورهما في قرائتي التي كانت تركض متأملة على الكلمات و مأخوذة بسحرها المجازي.
تستحضر الدبيس أساطيرها في رؤيا النص، متسقة في نسيجه الرؤيوي المتأمّل.. و تُذَوّب ثقافتها القرائية في دلالات النص.
كان نص الدبيس نصًا مثقفًا، و النص المثقّف لا يقدّم تنظيرات و مفاهيم معلبة… إنما تذوب ثقافة الكاتب في نصه الأدبي و يلتقطها المتلقي بإشاراتها العميقة و الكثيفة.
تؤنسن الدبيس الأبد و تحاوره و تلعب معه الشطرنج، و لها فضاءاتها الشاغرة التي تنزّ الوحدة على الأرصفة القديمة.
مشغولة بثنائيات الأبد و العدم، الليل و الشمس، الموت و الحياة.
تقول في نص فلسفة لا تُفلسفْ:
"أعيشُ لكي يُعانقني مماتي
و أردى كي أعودَ إلى حياتي
أسائِلُ من أنا فيجيبُ نحبي:
رفاتٌ يستفيضُ على رُفاتِ
و ينعاني قُبيل الموتِ قومٌ
فيسبقني إلى حتفي نُعاتي!
هي الأقدار منذُ الخلقِ لغزٌ
تناسلَ في عقول الكائناتِ"
و رغم كثافة الحزن و بكاء اللغة لديها إلا أن إشراقها داخلي ذاتي. تقول:
"العمر ليلٌ أبدي
و أنا ملأى .. ملأى .. ملأى بالشمس …"
تتداخل الأجناس في حزنائيل كما "يتداخل دخان القرى و كما تتهدم أسيجة الحقول" حسب تعبير الدكتور علي جعفر العلاق.
و الدبيس استطاعت أن تظلل حزنها بملاءات اللغة الكثيفة، و تبلله بندى البلاغة الشفيف.



