أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تعلم لغة وحكمة الصمت

عبدالجبار العباس · القطيف اليومالسبت 20 نوفمبر 2021، 3:50 م
تعلم لغة وحكمة الصمت

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "فكرة ساعة خير من عبادة سنة".
الكون كلّه يقوم على سيمفونية الصمت (التأمل) والتي من خلالها يستطاع أن يكتشف أشياء كثيرة. وقد اعتنى العلماء بدراسة هذه اللغة التي تحتل أهمية بالغة في معيار تنمية النفس البشرية والكائنات الكونية وقد أعدت بوصفها أقوى لغات العالم.
البعض يظن أن العبادة محصورة في أعمال الجوارح وجهِل أو تجاهل أنّ للقلب كذلك أعمالًا يُتعبّد بها، وقد يكون عمل قلبيّ أفضل من بعض أعمال الجوارح.
يجب علينا بين فترة وأخرى السماح لأنفسنا بالوقوع في السكون والصمت، والانفتاح على الحكمة الطبيعية والتي تنشأ من ذلك الفضاء الواسع وما يحتويه من كواكب بلمسة من اللطف والتعاطف مع الذات.
في حالة الهدوء يبدأ العقل ببطء في التفكر، ويبدأ خزان الحكمة الكامن بداخل كل منا في الاستيقاظ والتحدث مع النفس وكل ما علينا فعله هو السماح لأنفسنا بالاسترخاء والتمتع بحكمة (التأمل) النابعه من الصمت.
لغة الصمت تعتبر مفتاحًا لمعرفة شخصية الإنسان من خلال تعابير الوجه والحركات. وقد أكدها علماء اللأخلاق لما لها من أهمية في تهذيب السلوك وحفظ اللسان من الذنوب.
اللسان هو أخطر سلاح "لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك" إنه سريع وحاد مثل السيف إنه نار مليء بالسم، وفيه يكون الموت أو الحياة، مما يعني أنه على الرغم من أنه يمكن أن يسبب الكثير من الضرر، إلا أنه يمكن أن يمنح الحياة وإحدى الطرق التي يمنحها للحياة هي التزام الصمت في أوقات الخطر.
إذًا؛ من الحكمة أحيانًا التزام الصمت وهي أفضل من الهرج والمرج اللذين لا داعي لهما في كثير من الأحيان وفي أماكن محرجة، وهنا تكمن الحكمة وهي الصمت، نعم؛ الصمت في بعض المواقف مذلة لكنه في بعض الأحيان نجاة.
حاول أن تتعلم من الصمت أكثر مما تتعلمه من التفكير وأنت تتحدث وتثرثر. تعلم كيف تجعل نفسك تسترخي في هدوء تام واستمتع فيها بحديث الروح وكما قيل: "حديث الروح للأرواح يسري".

الصمت هو أعظم معلم وأعظم نعمة تهمس بأشياء في أذنيك وتساعدك في معرفة الأشياء التي لن تتمكن من اكتشافها وأنت مشغول ومشوش التفكير.
قال لقمان الحكيم: "إنّ طول الوحدة ألهم للفكرة وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة".
أعتقد بصدق أن أكبر سبب وراء تعرض الكثير منا لضغوط كبيرة هو أننا لم نتعلم بعد كيفية تهدئة عقولنا واحتضان الصمت، ولم نتعلم بعد أن نقدر ونرى القيمة والحكمة التي تأتي من الهدوء.
الصمت وسيلة فيما يراد به نيل حاجة معينة، جاء في قصة نبي الله زكريا عليه السلام عندما طلب من الله الأولاد أمره الله بالصمت ولما سأل ربه أن يعطيه آية قال جل وعلا: {قَالَ آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيَّا}.
وكذلك السيدة مريم عليها السلام أمرها الله بالتزام الصمت حتى يكون لها سلاحًا ذا حدين بقوله تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسيا}.
ورد عن الإمام علي عليه السلام: "بكثرة الصمت تكون الهيبة". وفي وصية الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن الحكم، إذ يقول عليه السلام: "يا هشام لكل شي‏ء دلِيل ودليل العقل التفكر ودلِيل التفكر الصمت". ورد عن أمير المومنين (عليه السلام) قوله: "أَول العلم الصمت وثانيه الاستماع وثالثه نشره والرابعة العمل به".
الصمت (التأمل) رائع لأنه يعادل الفراغ من التفكير المسبب لنا ضغطًا كبيرًا في رؤوسنا والذي نحتاجه أحيانًا لتفريغ طاقاتنا السلبية وأبسط طريقة لشرح الصمت هو تسميته بغياب الصوت، بينما الفراغ هو غياب كل شيء.
من يقول إن عليك أن تفكر وأنت تتكلم؟ من قال إنه ليس من المقبول أن تقضي لحظات ليس لديك ما تقوله؟ من يقول إنه يجب عليك التحدث دون توقف حتى عندما لا يكون لديك أي شيء قيم لتقوله؟ من لا يعرف كيف يصمت لن يعرف كيف يتكلم.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): تفكر ساعة خير من عبادة سنة * (إنما يتذكر أولوا الألباب). إذا كنت تريد وضع أفكارك موضع التنفيذ، فأنت بحاجة إلى السماح للصمت (التأمل) بالسيطرة عليك، ومن خلال الاستماع تحصل على الأفكار والمفاهيم.
ولأهمية لغة الصمت أفرد العلماء بابًا في التعريف بالصمت وأهميته من بينهم الكليني في كتابه أصول الكافي، والجاحظ في كتابه البيان والتبيين.
وفي الختام علينا أن نعرف أن الصمت يقاس بلحظته لا بمدته، والصمت يحتاج إلى إتقان مثل الصائغ الذي ينتقي جواهره.