أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وداعاً أميرتي شهلاء

اشتياق ال سيف · القطيف اليومالأحد 16 يوليو 2017، 7:14 ص
وداعاً أميرتي شهلاء

*مذ كنت في سنوات عمري الأولى و انا اعشق هذا الكائن الجميل كجزء من ارتباطه العميق بالطبيعة و الحياة الفطرية ..ربما لأنني كنت الابنة الصغرى لمزارع بسيط جل اهتماماته عائلته الكبيرة و التي ضم إليها أكثر الكائنات قرباً له و التي تعتبر ثاني اهتماماته في الحياة ..عائلة من الحيوانات الأليفة و الطيور و بعض الحيوانات البرية التي قام على تربيتها و تعهدها بالرعاية منذ ولادتها حتى أصبحت مع سنوات تربيتها كقطط منزلية اليفة تشارك أسرته كل تفاصيلها اليومية* ..

*ازدادت لألفة بين أبي و حيواناته التي تتراقص أمامه و خلفه لا تخشى تعدياً من إنسان أو حيوان ، و كان يستنهض كل همته و يستخرج مكنونات قلبه الذي يمتلئ احساساً يفيض حباً و عشقاً لكل من حوله ..*

لطالما كنت أتساءل ؟ من ربح نصيب الأسد من قلب والدي ؟ ذلك القلب الذي بدأ لي كصحراء مترامية الأطراف كتلك الأرض البرية التي يسرح فيها كل يوم مع حيواناته حيث ياخذها في نزهة مسائية تتجاوز الساعتين لا يشعر خلالها بقرٍ أو حرٍ و لا تزعجة حرارة شمس او برودة نسمات شتوية و لا يسترعي انتباهه اي حدث ..بل إن حالة الاسترخاء التي يعيشها في تلك النزهة لا يشوشها اي عارض لأنها تأخذه في عالم بعيد ينفصل فيه عما حوله و يكون تركيزه على تلك الكائنات التي ابدع خالقها في تكوينها و خلقها في احسن الصور و أجملها مقارنة ببقية الحيوانات.

كنت أكثر اخواتي مرافقة له إذ كنت اصغرهن لم يتجاوز عمري سنواته التسع و كنت شديدة التعلق بوالدي النحيل جسده الكبير قلبه العميق فكره على الرغم من أنه كان أمراً لم تعرف قدماه طريق المدارس أو دور التعليم لكن فطرته النقية و سجيته الطيبة خلقت منه رجلاً وقوراً موضع احترام كل سكان قريتنا الواقعة في اطراف محافظة القطيف ، تتكئ على إحدى الجزر الجميلة متجاوزة مع الكثير من الواحات التي كانت جنان الله في أرضه.

كنت دوماً أرى والدي مبتسماً للجميع يستقبلهم ببشاشة وجهه القروي المريح و كلماته التلقائية التي تنساب كالماء الزلال على كبد حرى ..لطالما سألته عن عدد الخلائق الذين يعرفهم فلا أكاد اتذكر انسان يمر به و لا يسبقه بالتحية و يدعوه باسمه و يسأله عن أسرته مصافحاً اياه بيد طاهرة أود كل يوم أن أقدسها بشفتتي ..بفبلات تضج فخراً برجل أفخر أنني من صلبه ..و كما كان يربي حيواناته المدللة رباني على أكمل وجه و احسن تربيتي و علمني مالم اتعلم حتى في دراستي العليا .

تابعت والدي كالظل لأكثر من سبع سنوات و اضأت شموعاً في دياجيير أعماقه التي كنت أغرق في غموضها رغم بساطته و وضوح فطرته ..

*كم كنت اتألم حين شعرت بأن اخي الأكبر و الذي أصبح طبيبأ معروفاً يخجل من مهنة والده المزارع الذي اخشوشنت يداه و تجرح قدماه و احدودب ظهره لشدة تعلقه بعمله ..و رغم أن هذا الابن الأكبر ورث عن والده عشقه للخيول إلا أنه كان يمارس هذه الهواية كنوع من الترف و المباهاة فهذا الكائن الرشيد القوام الجميل الهيئة من أكثر الكائنات الحية صحبة لبني البشر في السلم و الحرب في القرى و المدن و لطالما جعله الناس من أهم ضرورات الحياة و من أفضل وسائل المواصلات و احد ابرز وسائل الترفيه و الرياضة الملكية .*

من أجمل ذكرياتي في مرحلة طفولتي ذلك اليوم الذي ودعت فيه الجميلة الشقراء ( الأميرة شهلة) و التي عاشت معنا أكثر من عشر سنوات ملؤها السعادة ، فرس أصيلة جمعت صفات أكثر أصالة لربما لا تجتمع احيانا حتى في بني البشر .

كان أجمل ما في فرس ابي الجميلة وفاءها المنقطع النظير الذي عز هذا الزمن أن يجود بمثله. كانت تتعرف على والدي حتى من صوت سعاله الدائم الذي يقض مضجعه و يقلق راحته خصوصا في الليل كانت تتألم و يتضح عليها عدم الارتياح حين كان يتأخر عن جولته المعتادة معها ، و كانت تترقب حضوره البهي كعروس تنتظر قدوم حبيبها . كم كنت أشعر بالغيرة منهما معاً ، تجتاحني مشاعر أنانية حين أرى والدي يطارحها الهيام و يتأمل في جمالها عيون كعيون المها و اكثر بريقاً و اتساعاً و انف جميل ..كانت غرتها الناعمة تتدلى على وجنات فتاة تضج بانوثتها و يتدلى كوشاح اسود مسترسلا بنعومته على كتفيها .تتنافى كلمات ابي و هو يعزز من تأكيدات حبه لها و في الوقت نفسه أشعر بالحسد لأنه أقرب من يتواصل معها و لأنني احبها كنت أشعر بالغضب منها لأنه تأبى أن يداعبها شخص آخر سواه ..كان هو من يقدمها لأخي لركوبها و لا يمكن أن يعتلي ظهرها أحدا دون تأشيرة القبول من والدي .

كان يقول لي مازحاً : لو لم تكن بذات الوفاء و الحب الذي أقدمه لها لما سميت فرساً اصيلة ..الفرق بين الفرس الأصيلة و غيرها مهما تقدموا عليها في بعض الصفات الشكلية كالفرق بين والدتك و جميع نساء الدنيا في عيني.

رحمك الله يا أبي..كم كنت وفياً ودوداً دافئ المشاعر و مخلصاً لأمي حتى و انت ما قد تجاوزتما السبعين معاً و كم كابرت من متاعب الحياة معك لكنها كانت تقابل كل ذلك بصيرة جميل و محبة متبادلة.