وداع لقلبك يا محمد

عامان من عمري قضيتهما بحسرة وحيرة بعد فراق أغلى وأعز الناس على قلبي. البعض من حولي يظنون أن هذه المدة كافية لأتجاوز مرحلة الحزن العميق وأبدأ بترميم كسري، لكنهم يجهلون ما بقلبي، ولا يدركون حقيقة الألم الذي أعيشه بصدري، إني ما زلت عالقة في ذلك اليوم المشؤوم وتلك الساعة المشؤومة التي صُعق فيها فؤادي بنبأ الرحيل المفجع.
في هذه الذكرى المؤلمة أجد نفسي منشدّة لأسطّر شيئاً من حياة من أعشقه وأهيم في ذكراه. لقد كان صبوراً رغم كل المعاناة التي عاشها مع ذلك المرض الذي بتفاقمه فارقنا وترك مكانه خالياً. ما زلت أذكر، والآهات في قلبي كيف لم يُكترث لاستغاثاته وصرخاته المدوية من قبل من أدوا القسم بعد ارتداء المعطف الأبيض، وكان حبيبي ضحيّة ذلك الاستهتار.
بقيت تلك الذكرى الحزينة محفورة في مخيلتي، وحيث أؤمن بالعدل الإلهي فإن كل إنسان سيقف أمام الله بمفرده بعيداً عن أهله وبدون أي جهة تحميه يوم القيامة أو تغطي مخالفته سيكون مقراً بجرمه وجريرته {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}، فعند الله أحتسب ذلك التقصير.
اليوم وبعد عامين كاملين، وفي أجواء الشتاء الباردة، وبعد فراق طويل، عدتُ بالزمن إلى حيثُ كنت، لرحلة منهكة وشاقة بدون فارسي الوسيم لأجسد في سطور شخصية ذلك العبد الصالح الذي لم تكن الأرض يوماً مكاناً ومستقراً له، لذلك عرج بروحه سريعاً لبارئه مع الصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
فارسي الوسيم الذي كان بعين الله ورعايته منذُ صغره، كان في محطة ابتلاءات عديدة تنوعت وتعددت، وكان أقساها على نفسه معاناته مع المرض فرحمة الله عليه. إن تلك المعاناة التي كانت سبباً لآلامه، إلا أنها في ذات الوقت رفعت شأنه عالياً، وصقلت شخصيته ليوفى بعد ذلك حسابه مع الصابرين.
محمد أو كما أسميته "فارسي الوسيم"، يختلف عن بقية الناس في سيرهم إلى الله، فقد كان زاهداً، وعابداً، وراكعاً، وساجداً، وكان "رحمة الله عليه" يعد الزاد للقاء الله، وكان يخطط لسيره في تلك الرحلة الشاقة وكيف سيؤنس وحشته.
إيه يا محمد، لقد بكت عليك الفصول الدراسية بجميع مراحلها من شرق الأرض لغربها. لقد وجدته يتفانى في إعطائنا الدرس الأخير في حياته امتداداً لدروسه التربوية وهي أن قيمة الإنسان ليس بما يحققه من شهادات عليا، وعلوم ومعارف وفكر، بل بما يمتلكه من طهارة قلب، وصدق وإخلاص، وتقوى وورع. لقد كانت الابتسامة لا تفارق شفتيه، فسبحان من وهبني ذلك الملاك الطاهر الذي لم أشهد له مثيلاً في حياتي، طيب الله ثراه.
وأخيراً، فإني حين أتأمل آيات القرآن الكريمة التي تتطرق إلى أن الإنسان وجميع المخلوقات تتجه نحو الخالق عز وجل كما في قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى}، {أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ}، أشعر بهدوء ورضا بعد الاضطراب.
فإلى روحك الطاهرة يا فارسي الوسيم آلاف التحية والسلام، {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}.
رضاً بقضائك يا رب لا معبود سواك.
رحم الله الأستاذ / محمد جعفر الجارودي ولروحه الفاتحة.



