درس لن أنساه.. (قصة)

كلنا أو أغلبنا نبحث عن التبريرات التي تبرئ أخطاءنا أو سوء تصرفنا في بعض المواقف! وربما نتحول إلى مهاجمين على من ينتقد تصرفنا هذا. لماذا؟ لأننا لا نرغب أن نرى أنفسنا في موضع الاتهامات والانتقادات. وحتى لو خسرنا بعض العلاقات الاجتماعية من أشخاص مقربين منا. وهذا ما حصل مع (سوسن).
سوسن بنت ذات أربعة عشر عامًا تعيش في بيت مع والديها وأخ لها وهو (جوهر) والذي يكبرها بثلاثة أعوام. فمنذ طفولة (جوهر) وقبل ولادة (سوسن) كان المدلل المحبوب في العائلة. كل ما يتمناه يجده. وجاءت (سوسن) بعد انتظار!
- حمد لله على السلامة أم جوهر مبروك. (أبو جوهر وهو يمسك بيدها في غرفة المستشفى بعد خروجها من غرفة الولادة).
- إنها جميلة وبصحة ممتازة.
تفتح عينها وبصعوبة تبتسم له وهي ما زالت تحت التخدير تتألم من أثر العملية القيصرية. قبّلها على جبينها وقال لها: استرخي قليلًا سأعود لكِ بعد العصر. سأذهب إلى جوهر فهو سعيد جداً بقدوم أخته ومتلهف لرؤيتها!
- سألتقط لها صورة. وأرسلها لك.
وبعد يومين استقبل جوهر أخته الصغرى. فالبيت مهيأ لاستقبال المولودة الجديدة. يقترب جوهر من أخته الصغرى يطلب من أمه أن تضعها في حضنه.
ترفع الأم يد جوهر وتقول له: لا يا جوهر انتبه فهي صغيرة. وتأخذها وتضعها على سريرها.
ينكس جوهر رأسه للأرض وتتغير ملامحه ويشعر بالحزن فهذه أول مرة يتعرض فيها للرفض!
يراقب الأب ما جرى فيقول: يا أم جوهر دعيه يقترب من أخته.
الأم: لا.. لا.. فهو صغير ولا يحسن التعامل معها.
ذهب جوهر لغرفته ليلعب بألعابه..
مرت الأيام والشهور، الأم حريصة كل الحرص على ابنتها التي أخذت كل الحب والحنان في قلبها. بحيث لم يتبق لجوهر إلا القليل. وبلغت (سوسن) عامها الثاني. كبر جوهر وأصبح في الصف الأول بالمدرسة، فرحة جوهر كبيرة.
في كل الظروف يحاول اللعب مع أخته. وبطبيعة أنه ولد فكان لعبه به شدة قليلاً.
فبمجرد بكاء (سوسن) تنهال عليه الأم بالتوبيخ والتحذير: أنت لا تفهم. أنت كبير. يجب أن تتعلم كيف تلعب مع الصغار. إياك أن تقترب منها. هل تفهم؟!
هكذا هو حال (جوهر) دائماً تشعره أمه بأنه كبير وليس طفلاً يحب اللعب والمرح؛ حتى أصبح يخاف الاقتراب من أخته.
وتسارعت الأيام والشهور، وزرعت الأم بتصرفاتها في (جوهر) الرعب والخوف من اللعب مع أخته، وزرعت في (سوسن) الدلع والاتكالية في كل شيء إلى درجة الكذب لتبرر تصرفاتها الخاطئة في البيت.
يحاول جوهر توضيح الأمور إلى أمه لبعض التصرفات الخاطئة التي تصدر من أخته سوسن، ولكن للأسف الأم لا تصدق وتبرر لها بأن (سوسن) صغيرة لا تفهم وسوف تتعلم.
وفي يوم من الأيام وفي الصباح الباكر خرجت (سوسن) من البيت متجهة إلى باص المدرسة، وبعد خمس دقائق تقريبًا خرج (جوهر) للمدرسة بعد أن مر عليه صديقه (محمد) فهو جارٌ لهم، وكان طريق المدرسة يمر على مدرسة البنات والتي تدرس فيها أخته، وعندما اقتربا، فجأة وقف (جوهر) وهو ينظر إلى مجموعة من البنات ينزلن من باص المدرسة ويركبن سيارة صغيرة!
ينظر له (محمد): (جوهر) ماذا بك؟ هل هناك شيء؟
لا يتحرك (جوهر) وكأنه تجمد مكانه!
(محمد) يضع يده على كتفه وينادي: يا (جوهر) ما بك؟!
تغيير وجه (جوهر) وبانت عليه علامات الغضب، تسارعت أنفاسه، فنظر إلى (محمد) وقال بصوت خافت: يا محمد انظر إلى البنات اللاتي يصعدن إلى السيارة.
(محمد): وما شأننا نحن بهن؟! لا نريد المشاكل دعنا نذهب هيا يا (جوهر) فأنت تعرف من هو صاحب السيارة إنه شخص سيئ وصاحب مشاكل وله سوابق.
جوهر: لا، لا، أنت لا تفهم أين المشكلة إنها... (يتلعثم (جوهر) في كلامه) إنها... إنها أختي وهي معهن.
انصدم (محمد) من كلامه: ماذا تقول يا (جوهر). وماذا سنفعل الآن؟! ماذا سنفعل؟!
(جوهر) يستنكر السؤال: سوف ترى ماذا سأفعل!
رمى (جوهر) حقيبته المدرسية واتجه مسرعًا نحو السيارة، وبحركة لا إرادية يرمي (محمد) حقيبته ويجري خلف (جوهر).
وصلا للسيارة قبل أن تتحرك. أمسك (جوهر) بقبضة باب السائق وفتحه بقوة، وأمسك بالسائق ورمى به الأرض وهو يصرخ ويقول: يا حقير.. يا.. لماذا؟لماذا؟ وينظر لأخته بعين يملؤها الغضب، وبأعلى صوته ودون أي شعور يقول: اخرجن من السيارة بسرعة.
وبسرعة خرجن منها، واتجهن نحو المدرسة، فأمسكتهن مديرة المدرسة، وادخلتهن المدرسة.
تجمهر الناس حول السيارة وتمكنوا من نزع صاحب السيارة من قبضة (جوهر) و(محمد)، حيث انهالا عليه بالضرب والشتم!
استطاع الشاب الهرب تاركًا سيارته، وتم إبلاغ الشرطة بالحادثة وبسرعة وصلت الدورية وباشرت الحادثة وسحبت السيارة وتم عمل بلاغ للقبض على صاحبها.
يعود (جوهر) للبيت تستقبله أمه: ماذا بك يا (جوهر) ولماذا أنت بهذه الحالة؟ تشاجرت مع أحد؟ تكلم.. هيا!
(جوهر): يا أمي ابنتك.. ابنتك ارتكبت مصيبة.
الأم تضع يدها على صدرها: ابنتي! ما بها؟! أين هي الآن؟!
(جوهر): بالمدرسة، والأفضل أن تسرعي وتذهبي الآن.
يا (جوهر) أخبرني هل أختك بخير؟!
(جوهر): نعم بخير، ولكن أرجوكِ اذهبي للمدرسة الآن.
يرن الهاتف. تنظر الأم لابنها، وينظر لها، يعم الهدوء للحظات. يتناول (جوهر) الهاتف: ألو، نعم هذا هو البيت، موجودة لحظة من فضلك.
ينادي جوهر أمه، فتنظر إليه بنظرات ملؤها القلق. وتقترب وتتناول الهاتف: ألو، نعم أنا أم (سوسن).
تجلس على الكنبة وتضع يدها على رأسها: هل ابنتي بخير؟ أريد أن أكلمها، نعم حاليًا سأحضر للمدرسة.
أغلقت الهاتف وبسرعة توجهت لغرفتها ولبست عباءتها: هيا يا (جوهر) لنذهب للمدرسة بسرعة.
وصلت الأم للمدرسة، وتوجهت إلى مكتب المديرة.
استقبلتها مديرة المدرسة وشرحت لها الموضوع.
تفاجأت بالخبر الذي نزل عليها كالصاعقة! لم تتحمل وكادت أن تنهار.
جلست على الكنبة واضعة يدها على رأسها وتشتت أفكارها وكأنها انفصلت عن كل ما يدور من حولها، وشريط ذكرياتها في التعامل مع ابنتها يدور في فكرها.
لحظات قليلة.. تدخل (سوسن) الغرفة ومعها المرشدة الطلابية، تقف بالقرب من الباب، تنظر إلى أمها، وعيناها تفيض من الدموع!
الأم ترفع رأسها ترى (سوسن) ودون أي مقدمات وبسرعة تقف وتمشي خطوات متعثرة لتصل إليها ولكنها لا تستطيع الكلام والصمت يسود الموقف!
- أمي، أمي، افهميني أرجوكِ أنا، أنا، أن.. (وقبل أن تكمل الكلمة أسكتتها صفعة قوية على خدها) فكادت أن تسقط على الأرض!
وبنبرة الحزن والغضب الممزوجة بالبكاء من الأم: أنتِ، أنتِ، يا (سوسن) تنكسين رأسي في الأرض! لماذا؟ لماذا؟ هل قصّرت معكِ في شيء؟ هل تريدين أن تبرري فعلتكِ هذه وأصدقكِ؟ فضلتكِ على أخيكِ في كل شيء، لماذا؟ لماذا؟!
المديرة تقترب من الأم وتضع يدها على كتفها: يا أم سوسن هدئي من روعكِ فهذه أول مرة تخرج (سوسن) مع تلك الفتيات وهي تقسم أنهن أصررن عليها بذلك، وهي نادمة كل الندم على فعلتها وتعهدت ألا تكرر ذلك.
خرجت أم (سوسن) ومعها ابنتها من المدرسة وكأنها تحمل على راسها جبلًا من الهم والحزن! وأثناء السير الأم تتمتم بكلمات وكأنها تقول: هذا درس لن أنساه..
كيف كنت مخطئة في التعامل مع ابنتي؟!
الأم ينبغي لها أن تتعامل مع أولادها بحكمة. وأن تكون مربية ومراقبة لجميع تصرفاتهم. وأن تضع حدودًا لكل تصرف تراه غير مناسب. وأن تعدل بين الأبناء. فالأم مدرسة إن أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق.



