هدية السماء

الرابع عشر من شهر فبراير..
الثالثة فجراً ..
المطر يتساقط بغزارة وسمية تدور في ممرات جناح الولادة، تسمع صرخات وتأوهات الأمهات، تشعر بالتوتر تارة وتارة تعود لقراءة القرآن والأدعية.
الممرضة: ألم أخبرك ألا تجهدي نفسك ستحتاجين هذا المجهود لاحقاً.
سمية: لا بأس لقد قرأت أن المشي يساعد في تخفيف آلام الولادة، ولكن سأذهب لأستلقي قليلاً.
الوقت يمر ببطء شديد والألم يزداد وبدأت آلام الطلق تنتظم، إن رحلة وهن على وهن توشك على الانتهاء؛- هكذا حدثت نفسها. أخذت تحاول تطبيق كل ما قرأته من أخذ وضعيات تسهل عملية الولادة والقيام بالتنفس الصحيح ولكن لا جدوى من هذا كله! إن تطبيق الكلام بعيدٌ كل البعد عن الواقع. إنها روح تخرج من روح. أغمضت عينيها وراحت تسترجع ذاك المساء الذي رأت فيه خطين يعلوان تحليل الحمل المنزلي وكم كانت فرحة حتى إنها لم تستطع النوم وقضت الليل بأكمله تحدث جنينها. وكم كانت فرحة عندما علمت أن بكرها سيكون ذكراً وتمنت أن يشبه أباه حتى إذا ما غاب عنها رأته في ولدها.
قاطعها صوت الطبيبة وهي تقول لها: دعينا نرى إذا ما اقترب موعد خروج الأمير الصغير. فحصتها الطبيبة وطلبت تجهيز غرفة الولادة وأخبرتها بأن نصف ساعة كحد أقصى تفصل بينها وبين طفلها. لم تنهِ الطبيبة جملتها حتى تعالت صرخاتها قائلة: بل سيخرج الآن!
التاسعة وسبع دقائق
أنار كريم هذا العالم وجعل سمية أماً للمرة الأولى. السعادة كانت تغمرها والجميع يسعى لتقديم التهاني لها. مرت الأيام ببطء شديد وبدأ الفرح يتبدل رويداً رويداً لنوع غريب من الضيق لم تكن تعرف له سبباً.
كان كريم كغيره من الأطفال كثير البكاء قليل النوم، والمغص يجعله يبكي أغلب الوقت. لم تعد تنام أكثر من ساعة ونصف الساعة متواصلة وأحيانًا نصف ساعة. كلما أرضعته يبكي طلباً للمزيد لا تعلم هل يبكي ألماً، جوعاً، خوفاً. لم يخبرها أحد عن كل هذه الآلام والمشاعر المختلطة وأنها ستبكي من دون سبب وأن أنصاف الكلمات ستتسبب ببكائها. وأن ليس جميع الآباء يستطيعون تحمل ما تتحمله الأم وأنها ستشعر بأنها وحيدة. كانت كلما حاولت أن تبوح لأحدهم ذكرها بسنوات الانتظار عند المحرومين وبأنها تقابل نعم الله عليها بالجحود والكفران وكفران النعم سبب لزوالها وعليها سرعة استغفار ربها من هذا الذنب العظيم! لقد أصبحت تشعر أن مشاعرها تخرج عن سيطرتها وأنها جحدت نعمة الله لأن هذه النعمة كانت تلتف على رقبتها كالحبل ليخنقها. وكأنها وهبت الحياة لأحدهم ليسلبها بدوره الحياة.
الأول من مارس
الظلام يعم الغرفة ولا شيء سوى صوت بكاء كريم. طرقت والدة سمية الباب مراراً ولكن سمية لم تكن تسمع والدتها ولم تكن حتى تسمع صوت كريم الذي كان لونه شديد الحمرة من شدة بكائه!
الأم: ما بالك يا ابنتي ماذا جرى لكِ لماذا تركتي صغيرك يبكي ألا ترين كيف أصبح لونه!
سمية بكل برود: لم أسمعه.
الأم: هل تسخرين مني!
سمية مندهشة: ولماذا أسخر منك أنا حقاً لم أسمعه ثم إنه ها قد هدأ لو كان يشكو من خطب ما لما سكت فور حملك إياه؟
الأم: هل أنت محمومة يا ابنتي؟ دعيني أرى!
سمية بسخرية: ولماذا تعتقدين أني محمومة!
الأم: لا أشعر بأنك على ما يرام، على كل ستحضر بعد قليل ابنة خالتك وجدان هل تريدين أن أعتذر لها؟
سمية: ولماذا تريد أن تأتي؟
الأم: ألم أقل لك إنك لست على ما يرام! ألم نتفق على أن اليوم ستأتي خالاتك لتهنئتك بمولودك؟!
سمية: وهل هذا أمر يستحق التهنئة؟
صمت يعم المكان!
السابعة مساء
قامت على مضض لا طاقة لها حتى على الابتسام ومجاملة أحد. (الباب يُطرق بهدوء). سمية: نعم يا أمي قلت لك أنا قادمة!
(يفتح الباب بهدوء)، وجدان: أهلًا بالماما الجديدة هل بإمكاني الدخول؟
سمية وقد فرحت برؤية صديقة طفولتها: نعم وأخيراً شيء يبعث على الفرح!
وجدان: ما بالك لِمَ أشعر أن هناك ما تخفينه عني؟ هل أنت بخير؟
سمية وقد تجمعت الدموع في عينيها: لا لست بخير وأجهشت في البكاء وارتمت في حضن وجدان!
وجدان: أخرجي ما بداخلك لا داعي للخوف.
سمية: أشعر بأني أم غير صالحة.
وجدان: كيف عرفتي وعمر كريم لم يتجاوز الأسبوعين؟
سمية: لأني لا أشعر بالفرح بل أشعر بحزن يخنقني ولا أحد يستطيع فهم التقلبات المزاجية التي أمر بها
إنه يقيدني بل يخنقني!
وجدان: أتفهم ما تقولينه وبحكم عملي كممرضة كان يجدر عليك إخباري بمشاعرك منذ البداية لا تقلقي إنها مشاعر طبيعية تمر بها نسبة كبيرة من النساء بعد الولادة، وهذا لا يعني قطعاً أنك أم سيئة أو غير صالحة. بعض الأمهات يعانين من اكتئاب بعد الولادة ولا يعرفن لمن يلجأن، البعض يكون الاكتئاب لديهن خفيفاً ويمكنهن تجاوزه بمفردهن والبعض الآخر يحتجن لفترات أطول. هذا لا علاقة له بكونك صالحة أو سيئة. الهرمونات والتغيرات النفسية والدعم النفسي كلها تلعب دوراً كبيراً. أنا واثقة أنك ستتخطين هذه الفترة بالدعم النفسي وباستشارة المختصين ولكن أرجوك لا تهملي هذه المشاعر حتى لا تتحول مستقبلًا لمشاعر مكبوتة وغضب غير مبرر يؤثر على صحتك النفسية، اتفقنا؟
تبتسم سمية وتهز رأسها: موافقة.
العديد من الأمهات يعانين بعد الولادة من ضغوطات نفسية واكتئاب ولا يجرؤون على البوح به خوفاً من سماع كلام جارح واتهامهن بالبعد عن الله. الاكتئاب قد يصيب أي إنسان فرفقاً بمن حملت روحًا وخرجت منها روح. إن لم تكونوا لهن الدواء فلا تكونوا لهن الداء. وتذكروا أن الكلمة الطيبة تبقى للأبد.



