عكاز وأمل.. 1

ارسم لتُعبر عن مشاعرك الدفينة، ارسم لتُعبر عن كيانك، ارسم لتكون أنت...
يُحدّث نفسه، يُعالج مأساته بهذه الكلمات في مُعالجة نفسية، أرادها لتقويم حياته، لإعادة جدولتها بعد ما حدث له مُؤخرًا، والذي جاء مُفترق طُرق...
شيء من الدَّهشة، تمازج الرُّوح..، شيء من ارتواء الظلّ في قاموس اللّغة، تحكيها الرّيشة بين أصابعه..، ثمَّة ما يبُوح به الإنسان على شكل لوحة فنية...
يعيش الفنان بريشته ضميرًا مُستترًا، يُمارس من خلاله إعراب الجُملة، يُسكبها طيفًا، يُشاغبها، لتُنير تجلياتها، كأنَّها تنهيدة بقدر إحساسه باللّحظة، التي لا يُريد افتقادها، يُريد الاحتفاظ بها من خلال ألوانها، التي لا تُفارق عينيه..، يُصغي إلى نبضاته، كأنَّها سيمفُونية في نبضاتها، ليعيش الخيال، كواقع...
رمى وسام الريشة على الطاولة، وتناول عُكازه، مُتوجهًا إلى سريره، يشعر بإرهاق، توجه ليُلقي كتمانه بين وسادته...
وسام الشَّاب اليافع ذو العشرين ربيعًا، الذي يحلم، كغيره الذين يحلمون، ليكون الغد الأجمل..، يحتضنهم بين ذراعيه، لولا الحادث، الذي أصابه، وجعله مُتقعرًا على حاله، لتُجهض أحلامه...
جلس وسام ذات صباح، وكلّه أمل، تناول وجبة الإفطار مع أسرته، قبَّل رأس والديه، مُلتمسًا منهما الدُّعاء له، فاليوم يُؤدي اختباره الأخير..، توجه إلى السَّيارة، يحفه الدُّعاء، وتُلامسه الشّفاه في عناق الابتسامة الحنونة...
انطلق السَّائق..، وسام يتأمل الشّٓوارع، الصباح كان نديًا بقطرات المطر، التي تنسج بطولها لوحة جمالية، يُبحر فيها بمشاعره، ويُناغيها، كأنَّه يتغزل في ذاته من جمالها الفتَّان...
فتح عينيه، أحسَّ بثقل في جسده، لم يستطع أن يُحركه، أدار طرفه في المكان، حاول أن يتذكر ما حدث، لم يتمكن...
أمه، تُحدّق فيه بحنان، تُخفي دُموعها، إلا إنَّ حُمرة وجنتيها، تكشفها، والده مُتجلدًا، يبتسم في وجهه، وعلاماتُ الغرابةِ، والسُؤالُ باديان على ملامح وسام...
أبي..، ماذا حدث؟، لماذا أنا هُنا؟، يسأل وسام خائفًا، مُترهلًا...
يا بُني..، اهدأ، لا ينبغي أن تنفعل، حافظ على ثباتك، سأخبرك بكُلّ شيء..، يقُول الأب المثكول...
يُكمل في ألم وغصة:
بُني..، لقد تعرضتَ صباح اليوم إلى حادث، وتمَّ نقلك على إثره إلى المشفى، ودخلت في غيبوبة، أفقت منها للتو...
أطبق وسام جفنيه في مُحاولة إلى استدعاء الذَّاكرة..، قد لا تُسعفك الذَّاكرة أحيانًا، أكانت رغبة ضمنية في ذاتك، أم حجم الألم، الذي يعتريك..، الذَّاكرة وميض من اللّحظة، قد تغيب اللّحظة، لتستجيب الذَّاكرة للغياب...
تجمدَّت الدُّموع في عينيه، ارتعشت الكلمات في شفتيه، انقبض قلبه..، ولا زالت الحيرة، تكتنفه...
أبي..، جزء من جسدي لا أشعر به، قدمي لا أستطيع تحريكها..، يصرخ وسام...
أسبوع، أسدلت دقائقه، ولا زال على فراشه الأبيض، يتأمل الدَّقائق، مُنتظرًا خُروجه من المشفى، ليعود إلى دراسته، وحياته، كم اشتاق إلى أخته الصَّغيرة سارة، التي تقطع المنزل حبوًا، وتُشاكس كلّ من تُصادفه، وابتسامتها البريئة، تحتويه، كم اشتاق أن يأخذها بين ذراعيه، يرميها إلى الأعلى، ويحتضنها بشغف، يبتسمان معًا...
قام المشفى بالاتصال بوالد وسام، ليحضر..، خرج من المُؤسسة، بعد أن أوصى الحاج عبد الله بأن يأخذ مكانه، ويُدير العمل، ويقُوم بتخليص المُعاملات، وتسليم البضائع إلى أصحابها..، وكانت الصَّدمة، تنتظره، أخبره الدّكتور فور وصُوله إلى المشفى بضرورة إجراء عملية جراحية في قدم وسام في أسرع وقت..، وسيبقى فترة من الزَّمن، يستخدم العُكاز..، استند إلى الجدار، أحسَّ بدوار، أسرعت المُمرضة بإحضار كأس من الماء إليه، ليرشفه، قام الدّكتور بمُواساته، وطلب منه أن يتحلى بالصَّبر الجميل...
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، الله يكون في عونك يا ولدي، صبر جميل، والله المُستعان..، يقُول والد وسام، والآه، تخترق وجدانه...
وصل إلى المنزل، فوجئت أم وسام بقُدومه في هذا الوقت، حيث يكون في عمله، سألها عن ابنته سارة، أخبرته بأنَّها نائمة..، ذهبا معًا إلى المجلس، تحدَّث معها عن الصَّبر، أشبع قلبها بالأمل، وأنَّ الحياة لها تصاريفها، وينبغي أن يكون الإنسان فيها قويًا، ويتمتع بالاطمئنان، والتَّسليم، ليستطيع أن يعيشها.
لقد أتعبت قلبي، ماذا حدث؟!، تُخاطبه، وهي مُرتبكة، ملامحها ترتجف، أخبرها ما دار بينه، وبين الدّكتور، بأنَّ وسام، يحتاج إلى إجراء عميلة جراحية في قدمه، سيقضي كثيرًا من الوقت، يستخدم العُكاز..، كيف تُخبر الأم بأنَّ فلذة كبدها، سيخضع إلى عملية جراحية، هل الآهة، التي تشعر بها الأم، تأتي كآهاتنا..، وهل تستطيع الكلمات وصفها...
وقعت على الأريكة، قام باحتضانها، مسح بيديه على وجهها بقطرات من الماء، استفاقت..، طلب منها أن تتوكل على الله، أن تتوجه إليه بقلبها، وتسأله نجاح العملية...
وما بين البُكاء، والأمل، تدحرجت كلماتها المُرتجفة: كيف ستُخبره؟!، إنَّه صغير على مثل هذا الأمر، إنَّي خائفة عليه، ألا يُوجد حلّ آخر؟!، تسأله..، الأم دائمًا ترى ابنها صغيرًا في نظرها، وإن تزوج، وكوّن أسرة...
للأسف العملية ضرورية، ولا بديل لها..، يُجيبها...
ما رأيك أن تحدّث ابنة عمه وفاء، أن تُخبره، إنَّها قريبة منه، وهو يحترمها كثيرًا، وعلاقته بها وثيقة، إنّها فنانة، وطالما كان الفنُّ يجمعهما، فالفنّ، يُقرب بين الأشخاص، يختصر كلّ المسافات، ثمَّة ما لا نُدركه نحن، أو نلمسه..، ولكنَّه موجودًا بينهما، هذا ما لاحظته من خلال علاقتهما..، ما تشعر به الأم، دائمًا لا يُخطئ..، استقر رأيهما على أن تقُوم وفاء بإخباره...
كعادتها وفاء، قامت بالاتصال بزوجة عمها أم وسام للاطمئنان عليه؛ فأخبرتها أن تأتي إلى زيارتهم مساء اليوم، لأمر مهم...
في المساء، توجهت وفاء إلى منزل أم وسام، لم يكن العم موجودًا، تحدثا عن وسام، وطلبت أم وسام منها، أن تزوره غدًا، وتُخبره عن العملية، وعدتها وفاء بإخباره، لتكون مُطمئنة؛ فإنَّها تعرف كيف تتعامل معه...
دخلت وفاء بهدوء، وسام كان نائمًا، جلست بجانبه، لم تُرد إيقاظه، مدَّت يديها إلى شنطتها السَّوداء المُطرزة باللّون الذَّهبي، وأخرجت مُصحفًا، وقامت بفتح سُورة "يُوسف"، لتقرأ بضع آيات...
بعد قليل من الوقت، استيقظ وسام، رآها، كالطَّيف الملائكي، صوتها ينساب، كجدول ماء، يُنعش الرُّوح منه، والجسد...
كم أنا سعيد بوجودك وفاء، خاطبها وسام...
تمنيت ألا أراك على هذا الحال، ولكن الحمد لله على سلامتك، تقٌول وفاء...
يرد وسام: الحمد لله يا وفاء، كلّ شيء في معانيه، يكمن الخير...
استجمعت أنفاسها، رتبت أفكارها، واسترسلت في حديثها، أخبرته بما قال الدّكتور، وأنَّه سيخضع إلى عملية جراحية في قدمه الأسبوع القادم...



