أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

موعد في عيادة العظام

حسن عرقان · القطيف اليومالإثنين 18 أبريل 2022، 10:15 ص
موعد في عيادة العظام

كثير من الناس لا يضيقون الانتظار طويلاً أمام باب عيادات المستشفيات العامة، ويحدد مدة الانتظار نوعية العيادة المراد مراجعتها على سبيل المثال عيادة الأسنان وعيادة العظام فكثرة المراجعين لهم تجعل وقت الانتظار طويلاً جداً أمام العيادة لربما بالساعات .....
ومن ضمن هؤلاء الناس صديقي (عادل) وهو موظف في القطاع الخاص، ومعلوم لدى الجميع كيف هو الدوام في القطاع الخاص ....
في أحد الأيام بينما (عادل) يمارس الرياضة في عطلة الأسبوع تعرض إلى التواء كاحل رجله اليمنى مما سبب له ألماً شديداً على أثرها نقل إلى الطوارئ من قبل أصدقائه...
دخل (عادل) إلى قسم العظام بالطوارئ وتم عمل أشعة لرجله .... يفحصه الدكتور بالضغط على مكان الألم (عادل) يتألم ويطلب من الدكتور أن يرفع يده عن رجله ....
الدكتور يطمئن (عادل) ويخبره بأنه لا يوجد كسور برجله، وإنما هو التواء بسبب ممارسة الرياضة على أرض غير مستوية أو القيام بخطوة خاطئة وتقع الرجل في حفرة صغيرة مما يسبب لك هذا الالتواء ...
(عادل) يؤكد على الدكتور أن هذا ما حصل له في الملعب ....
نصح الدكتور (عادل) بأخذ الراحة واستخدام العلاج الموصوف له ... وأعطاه موعداً لمراجعة عيادة العظام في حال استمرار الألم أكثر من خمسة أيام ....
خرج (عادل) من المستشفى وهو على كرسي متحرك بمساعدة أصدقائه و أوصلوه إلى شقته...
التزم (عادل) بتوصيات الدكتور حرفياً ... ولكن الألم لم يهدأ إلا بأخذ المسكنات ....
مرت أربعة أيام وهو على هذا الحال .... بالرغم من أنه لم يتغيب عن عمله إلا ليوم واحد عندما أعطاه الدكتور إجازة مرضية لذلك اليوم....
ولم يخرج من شقته إلا للعمل … حتى أنه لم يذهب لزيارة والديه بالرغم من كثرة اتصال أباه وأمه به ليطمئنوا على صحته ….
و في اليوم الخامس قرر (عادل) الذهاب للموعد المحدد له حيث كان وقت الموعد الساعة الثانية والنصف ظهراً ...
استأذن من العمل بعد صلاة الظهر وتوجه إلى شقته لتغيير ملابسه .... والذهاب للمستشفى ...فوصل في تمام الساعة الثانية ظهراً ....
توجه للعيادة .... تفاجأ من كثرة المراجعين الذين ينتظرون أدوارهم .... وقف أمام باب العيادة وطرق الباب ... لحظات خرجت الممرضة ... نعم، هل عندك موعد؟ قال لها: نعم ... أخذت ورقة الموعد وأمرته بالجلوس والانتظار لحين مناداته ...
نظر يميناً فرأى جميع كراسي الانتظار مشغولة .... أدار وجهه لجهة اليسار الأمر كما في الجهة اليمنى ... هناك في طرف الممر كرسي شاغر .... توجه له وجلس ينتظر ... وهو ينظر إلى ساعته ... باقي على موعده نصف ساعة (كما يظن هو حسب الموعد) ...
مضت نصف ساعة .... وعيناه تتجول بين باب العيادة وبين جواله .... وتارة إلى المراجعين وردود أفعالهم ...
كلما فتح باب العيادة رفع رأسه ... لعله يسمع اسمه .... وفي كل مرة يخيب أمله ....
(عادل) لم يعتد على هذا الأمر .... مضت ساعة ولم يحن دوره ...
بدأ الملل يتغلغل في نفسه .... فكلما قام مراجع من كرسيه أخذه وأقترب إلى العيادة ..... حتى وصل إلى الكرسي الثاني من جوار باب العيادة .... يكثر النظر إلى ساعته .... الوقت طويل .... قاربت الساعة الثالثة عصراً .... بدأ التوتر على ملامحه وحركاته ... تارة يقف ويتظاهر بقراءة الملصقات التوعوية على لوحة الإعلانات ..... وتارة يمشي ويقترب من باب العيادة ليقرع الباب فتخرج الممرضة فيسألها عن موعده .... فتجيبه: بأن ينتظر فأمامه مرضى لم يحل دورهم بعد...
يجلس بجوار شخص وملامح الهدوء تسيطر عليه وهو على كرسي متحرك ..... وبيده كتاب يتصفحه .... يصدر بعض الحركات لعله يلفت انتباهه ليشاركه الحديث ... بالفعل نجحت حينما سأله عن الوقت.... فأجابه الرجل .... وأعاد رأسه لقراءة الكتاب ...
سأله (عادل) متأسف على مقاطعتك للقراءة ولكن متى موعدك؟
الرجل يدير رأسه له ويبتسم ويقول له: كأنك أول مرة تحضر هذه العيادة؟؟؟
عادل: نعم .... هذا صحيح ....
الرجل: أنا موعدي الساعة الواحدة والنصف ... وكما ترى لم يأتي دوري لحد الآن .... ولكني تعودت على ذلك فامراجعتي كثيرة لهذه العيادة ... عليك بالصبر ....
عادل: منبهراً من ردة فعله و برود أعصابه ... ويقول: الصبر!!!! كيف؟؟؟ ألا تلاحظ الوقت الذي مضى؟؟؟؟
الرجل: نعم ألاحظ ذلك .... ولكن ما العمل؟؟؟ .... وهذه العيادة مزدحمة من المراجعين .... انظر إلى المراجعين فهم متذمرون مثلك ....
أعاد (عادل) ظهره للكرسي رافعاً رأسه للأعلى ومدد رجليه للأمام .... ثم يعيدهم ليسمح بمرور الناس في الممر (طبعاً الممر ضيق) ...
بدأ التوتر يزداد عليه بعدما رأى ولد في عمر السادسة عشر تقريباً ورجله اليسرى عليها جبيرة وكانت متسخة من أطرافها وكأنها مضى عليها وقت طويل وعليها خربشة حبر وكأنها لوحة ذكريات... وهو يكرر طرق باب العيادة ... فتخرج الممرضة ويقول لها: ألم يحل دوري؟؟؟ فترد عليه .... لا ... انتظر .... يتأفف بقوة ويعلو صوته .... ما هذا التلاعب بأعصاب الناس؟؟ .... انتظرت لوقت طويل .... إن لم أدخل الآن سأذهب لمدير المستشفى لينظر في هذا الأمر ... نظرت له الممرضة بنظرة لا مبالية وتقول له .... اذهب وقدم شكوى إن أردت ذلك!!!! لا يمكنني عمل شيء لك سوى أن أطلب منك الانتظار حتى يأتي دورك ... يتأفف ... ويتمتم بكلمات يبدوا أنه يتدمر من هذا الوضع ... ويعود إلى كرسي الانتظار ....
مضى الوقت ... ولكن ببطء شديد جداً ..... و (عادل) غارق بأفكاره .... ويردد في نفسه بأنه لا يمكن أن يعود مرة أخرى لهذه العيادة ... وفي كل مرة يحاول تدليك رجله ليخفف الألم ....
في هذه الأثناء أقبل ممرض وهو يدفع بسرير متحرك ويرقد عليه شيخ كبير في السن…
أسند السرير عند الجدار ….
وتوجه الى العيادة … طرق الباب …خرجت الممرضة ناولها ورقة …
ثم جلس على الكرسي …
وأخرج جواله وبدأ يتصفحه…
لحظات … وإذا بالشيخ الكبير وبصوت يرتجف…يا والدي أحمد … كررها ثلاثاً …
نهض إليه الممرض … وهو يقول نعم … نعم …
والشيخ الكبير يقول: أين ذهبت يا ولدي؟ فيجيبه الممرض وهو يمسك بيد الشيخ … أنا بجانبك…
نظر (عادل) للممرض … وفي داخله يقول… ما شاء الله…هذا الشيخ المريض يعتني به ولده في المستشفى وهو ممرض… شعر (عادل) بشيء من الفرح لهذا الموقف ... ويردد في نفسه نعم الابن البار لوالده ...
رجع الممرض وجلس بالقرب من (عادل) …
ادار (عادل) وجهه للممرض… وقال له بعد أن رحب به:
أهذا أبوك؟؟
نظر الممرض إلى (عادل) والتفت إلى الشيخ الكبير ثم نظر إلى (عادل) وبابتسامة يقول له: لا …لا… فأنا ممرض وهذا مريضي …
(عادل) انصدم من هذا الجواب... وكأنه صب على رأسه ماءً بارداً... وصمت قليلاً ....
وتغيرت ملامحه… ثم أدار بجسده تجاه الممرض وقال: كيف؟؟ إنه يناديك …. وأنت أجبته؟؟؟
(الممرض): بضحكات خفيفة تعبر عن شيء في نفسه...ويقول: نعم … أجبته لأنه يعتقد بأني ابنه … وعندما أجيبه يشعر بالطمأنينة والارتياح... وكذلك هذا عملي يجب أن أعامله بكل ود واحترام لكبر سنه ومرضه ...
(عادل) وأين أولاده؟؟
(الممرض): أولاده؟؟؟ بنبره استفهام …
منذ دخول هذا الشيخ الكبير لم نرى أي أحد من عياله أو أقاربه …
وعندما نتصل بهم… يجيب لنا أحد عياله بأنه سوف يحضر هو أو أخاه…
وليومك هذا لم نرى منهم أحد …
ازداد (عادل) تعجباً من هذا الموقف…
أيعقل هذا؟؟؟
كنت أعتقد أن هذه المواقف لا نراها إلا في الأفلام الأجنبية أو القصص الخيالية…
أسند (عادل) ظهره على الكرسي رافعاً رأسه للأعلى … حيث تأثر من هذا الموقف …
وأخذته الأفكار بعيداً … ويتساءل هل يعقل هذا؟ هل يوجد في مجتمعاتنا مثل هذه الظواهر؟؟؟
وغرق بهذه الأفكار… نحن تربينا في بيئة مسلمة تحثنا على بر الوالدين والاعتناء بهما ...
واستذكر ما تعلمه في المدرسة وغيرها من أهمية بر الوالدين .... وتذكر أباه وأمه وأنه لم يزرهم منذ بضعة أيام بسبب مرضه بالرغم من قلقهم عليه… فعاتب نفسه كيف فعلت ذلك؟ لم أراعي شعورهم تجاهي….
حتى جاء النداء من الممرضة (عادل محمد) (عادل محمد) ....
ينتبه ويعود للواقع وبسرعة يقف: نعم ...نعم .... موجود ... وأخيراً جاء الفرج (في قرارة نفسه يقول...)
دخل العيادة …. وبعد وقت قصير خرج … ليرى على ذلك السرير عليه الشيخ الكبير وبجانبه الممرض حيث كان يتحدث معه لحين دخوله للعيادة…
غادر (عادل) المستشفى ولكن لم تغادر تلك الصورة لذلك الشيخ الكبير وهو على السرير الأبيض … وصوته الذي لا زال يسمعه وهو ينادي ولده ….
مسرعاً توجه لبيت والده …. متناسياً كل الألم …. كل تفكيره أن يصل ويقبل رأس أباه و أمه … وهي أكبر نعمة من الله عز وجل …