أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هوية ضائعة (2)

فاطمة البدن · القطيف اليومالإثنين 18 أبريل 2022، 8:58 م
هوية ضائعة (2)

حين نتعمق بأيامك فإن أكثر سؤال قد يعترضنا إذا شهدنا الانحراف عن مسارك القدسي هو أين الهوية الدينية في من يحضر ضيافتك خاصة وفي باقي الشهور عامة؟
هناك هوية ضائعة تختلف عن ضياع هوية الجنس والجنسية فهناك هوية تُكتب بالقلوب لا بالأوراق لتأخذ وسم هوية موالية والتي لا تقتصر على وقت من الأوقات أو مناسبة من المناسبات دون غيرها.
فتعظيم شعائر الله بمواسم الولاء هي البيانة والدلالة على هويتنا الدينية {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}.
للأسف كنا نعتقد أن مواسم عاشوراء وشهر رمضان هي الأقرب للاستدلال على الدين ولكن أدركنا أن الدين وإظهار العقيدة ليس بأيام معينة ومؤقتة فقط ويتم تجاهلها حال انتهاء تلك المواسم.
فجميل هو الالتزام بمثل هذه المواسم التي تتأجج بها المشاعر بمشاعر الولاء، ولكن الأجمل هو التزود منها وأخد مزيد من المدد لمواصلة هذا الولاء لطول أيام السنة، فلا نلتزم بتلاوة قرآن وقراءة دعاء ومناجاة وأداء صلاة مستحبة فيك وبمجرد أن يهل هلال العيد وربما قبله حتى نهجرهم وننسى العادة التي اعتدنا عليها خلال أيامك.
نعم مهم وضروري احترام أيامك وكل الأيام تلك التي لها عُلقه بالسماء وأهلها لحرمتها وعظمتها لدى الله وآل الله وذاك نور نهديه أرواحنا ولكن هل نرضى بالبخل على أرواحنا بزيادة هذا النور ونكتفي بتبيان تديننا بتلك المواسم فقط؟
هناك ثغرة نعاني منها واقعًا وهي الالتزام المؤقت أو المشروط بالزمان أو المكان فمثلًا بموسم عاشوراء ترى الأغلب يفرّغ وقته وجهده وماله لأداء واجب العزاء والمواساة بهذه المناسبة الأليمة التي يجوب ألمها العالم كله، والبعض لا تُشفي غليلهم عشرة واحدة فيستمرون بأداء عزائهم على مدى شهرين كاملين من عشرة إلى عشرة دون ملل أو كلل، بالمقابل هناك من لا يعطي من أوقاته للعزاء سوى أيام قلائل تُعد على أصابع اليد الواحدة ويأتي متململًا وكأن حضوره مجبرًا لإسكات عتب اجتماعي إذا كان من ضغط عائلته أو من حوله، ومجرد أن تنتهي العشرة الأولى خلع إحرام الحداد وحُلت له ممنوعات الاحترام.
أتعلم ربما لو بقي الأمر هكذا لكان هناك مجال لبلع الأمر، ولكن أصبحنا نرى نماذج تُفسد صورة الهوية الولائية لمنطقة عُرفت بتاريخها الموالي، أصبحنا بأيام مناسبات الاستشهاد فضلًا عن عدم تواجد الجميع ليؤدي دوره بالولاء الذي يفترض انتماؤه له، بل بالعكس تراه يتزيّن ويخرج للتنزه والضحك وكأن أمرًا لم يكن بمن هم سادات الورى.
وفي مناسبات الأفراح كالنصف من شعبان أو شهر رمضان حيث مناسبات مولد الإمام المهدي (ع) ومولد الحسن المجتبى (ع) والتي تكون مناسبات دينية هالتها الكبرى عبادية وولائية، لكن الهوية الظاهرة للعيان هي هوية متخبطة تأخذ هوية من هنا وهناك لتبقى بلا هوية معروفة لنسبها إليها.
أبجديات الانتساب لتلك الهوية للأسف نحن نفتقدها بداية من التفقه بالدين الذي لايزال لليوم هناك من لا يعرف وظيفته وتكليفه الديني الذي يلزمه بالتقليد وتعلم أحكام الدين.
لايزال هناك من لا يعرف أحكام الطهارة والوضوء والغسل والصلاة فكيف عليك أن تعتب عليه إذا لم يعرف أحكام الصيام فيك؟!
نحن لا نعرف ولا نلتزم بكلمة شيعة التي نتشدق بكوننا ننتمي لها وهي تعني مشايعة ومتابعة لمن نوالي من الأئمة والمعصومين سلام الله عليهم ونحن لا نطبق أي متابعة وعدهم قدوة نسير بسيرهم.
هوية الولاء والاقتداء التي تنازلنا عنها جعلتنا نتنازل عن صوت الأذان العالي الذي يصل للقاصي والداني ليُخبر بموعد اللقاء مع الله فغدى هناك من يُزعجه صوت الحق وذكر الله ويعترض عليه لكنه لا يتعرض بكلمة لصوت الباطل وارتفاعه.
بالطبع الهوية ليست فقط حضور مأتم أو مسجد وعبادة وصلاة بل هي تشمل المعاملة والخلق الحسن الذي يجعلنا زينًا لهم لا شينًا عليهم وخير من يعلمنا إياه هو مولانا الحسن (ع)، حيث قال رجل لمولانا الحسن بن علي عليهما السلام: إني من شيعتكم فقال الحسن بن علي عليه السلام: يا عبد الله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعًا فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها لا تقل لنا: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادٍ أعدائكم، وأنت في خير وإلى خير.
كلنا قد يخطئ ويكون معرضًا للخطأ لأننا لسنا معصومين ولكن هم من يعلمونا كيف نقابل الخطأ ونصححه بصورة لطيفة تدخل للقلب فترغمه على الانسياق لتصحيحه، وأجمل صورة هي ما رسمها الحسنان لنا حين وجدا رجلًا لا يحسن الوضوء فأتوا له بطريق احترام سنه وجعلوه من يحكم على وضوئهما ليستدرك خطأه دون أي تصغير لذاته التي يورد عليها الخطأ، ولكن المهم ألا يصر الشخص على خطأه حفاظًا على كبريائه من دعوى الخطأ.
مازلت لليوم الثالث منك على التوالي أجد أن تمرة إفطاري فيك هي من يد أول سبط وريحانة للرسول كبير أولاد البتول (ع) ربما لأني مازلت أحتاج حُسن خُلقه لأتزوده من فيض عطائه لي بتمرة الإفطار فيك لأحصل على هوية تليق بشهر الكرم والكرامة.