إعجاب «1»

كثير من الأحيان نظن أننا أنجزنا إنجازًا عظيمًا حين نقوم ببعض الأعمال التي لم نكن نعملها من قبل خاصة بليالي قدرك، وقد نعجب بهذا الإنجاز ونتباهى به أمام الآخرين دون أن ندري أننا نقوم بإفساده.
وأحيانًا ليس فقط إعجابًا بالعمل بل بالرأي والاعتقاد أننا نكون على حق دومًا فتكون زاوية رؤيتنا هي الرؤية الواحدة التي لا ثاني لها ولا يمين ولا يسار يحاذيها فهي النموذج المثالي الذي ينبغي عدم الميل عنه، ومن هذا الظن يكون هناك خلاف بوجهات النظر مع الآخرين وربما تحصل بعض المشادات والخلافات من دون حساب أنه قد يكون في كل نظرة وجه من الصحة.
والدفاع عن الرأي الشخصي يأتي من الإعجاب بالنفس وما يصدر منها، وترى هذا الإعجاب يتغذى على كلمات المدح والإطراء مما يزيده ثباتًا لحب رأيه والتعصب له.
حين يدخل الشخص بمرحلة الإعجاب بالنفس فهو قد دخل بمرحلة خطيرة من النقص لأنه سيتوقف على أطلال إعجابه بنفسه وبإنجازه بإحدى المحطات وقد لا يتقدم بعدها.
لهذا كانت هناك تحذيرات من أهل البيت (ع) من هذا الخطر ومنها: مما كتبه الإمام علي (عليه السلام) للأشتر لما ولاه مصر: "إياك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان".
وعنه (عليه السلام) أيضًا: "رضاك عن نفسك من فساد عقلك".
والإمام الصادق (عليه السلام) يؤكد كذلك بقوله: من أعجب بنفسه هلك، ومن أعجب برأيه هلك، وإن عيسى بن مريم (عليه السلام) قال: داويت المرضى فشفيتهم بإذن الله، وأبرأت الأكمه والأبرص بإذن الله، وعالجت الموتى فأحييتهم بإذن الله، وعالجت الأحمق فلم أقدر على إصلاحه! فقيل: يا روح الله! وما الأحمق؟ قال: المعجب برأيه ونفسه، الذي يرى الفضل كله له لا عليه، ويوجب الحق كله لنفسه ولا يوجب عليها حقًا، فذاك الأحمق الذي لا حيلة في مداواته.
ويروى عنه أيضًا (ع): قال إبليس - لعنة الله عليه - لجنوده: "إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أبال ما عمل، فإنه غير مقبول منه: إذا استكثر عمله، ونسي ذنبه، ودخله العجب" فكيف النجاة من العجب إذا استكثرنا قيامنا وأعمالنا وقراءتنا فيك؟
والإمام الباقر (ع) يعبر عن العُجب إنه مما يقصم الظهر بقوله: ثلاث قاصمات الظهر: "رجل استكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه".
والإمام الرضا (عليه السلام) يروي ويقول: إن رجلًا كان في بني إسرائيل عبد الله تبارك وتعالى أربعين سنة فلم يقبل منه، فقال لنفسه: ما أوتيت إلا منك، ولا الذنب إلا لك، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: "ذمك نفسك أفضل من عبادة أربعين سنة" لهذا كان الاعتراف بالذنب من شأنه أن يرفعه، فكم مذنبًا ارتكب كبيرة واعترف بجرمه لربه. فقبل الله اعترافه وتوبته وقربه الله له ورفعه مقامًا عاليًا.
الإعجاب بالنفس مرض علته تزداد بالمدح يقول الإمام علي (عليه السلام): "إن مادحك لخادع لعقلك غاش لك في نفسك بكاذب الإطراء وزور الثناء، فإن حرمته نوالك أو منعته إفضالك وسمك بكل فضيحة ونسبك إلى كل قبيحة".
وروي أن رجلًا مدح رجلًا عند النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: ويحك! قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح، ثم قال: إن كان لابد أحدكم مادحًا أخاه فليقل: أحب فلانًا ولا أزكي على الله أحدًا، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك.
وهنا يحضرني تجربة توثق وقوعي في هذا الفخ فمن أيام الدراسة كنت أجد التغير بنفسي في حال مدح أي معلمة لي بوجهي، فاليوم الذي تمدحني إحداهن أتوقع جدًا أن اليوم التالي سأكون لست بمحل المدح وإني سأُفسد وهو ما يحدث بالفعل.
وقد يهون الأمر إذا كان الأثر ليوم واحد ولكن هناك ما امتد الأثر فيها لسنة كاملة لاقيت فيها الأمّرين بشعور الحرمان وعدم المقدرة، ففي مرة من المرات وبأولى كتابتي للمقالات حيث كنت أنتسب لأحد المراكز الشبابية المهتمة بالإبداع وكان هناك عدد أو نشرة تصدر بالتعاون معها بأيام عاشوراء تحوي بعض المقالات والخواطر للأعضاء بكل يوم من أيام العشرة الحسينية، وقد شاركت يومها في إحداها ولم أشأ كتابة اسمي الصريح، واعترضت على نشره فيه حيث اعتدت على المشاركة باسمي المستعار بالنشرة الأصل للمجموعة لكن السياسة بالنشرة الثانية كانت مختلفة، وكنت أجد قوة أكثر باسمي المستعار حيث أفضّل ألا يعرفني أحد، لأن هناك بعض الحواجز النفسية لدى البعض تمنعهم من تفعيل خاصية ما قيل وليس من قال خاصة إذا لم أكن لأروق لبعض الشخصيات فكيف لكلامي أن يصل لأبواب قلوبهم أو حتى عقولهم؟
ولإقناعي بالقبول أوصلت لي إحدى قريبات المسؤول عن النشر كلامه وأنه أبدى إعجابه بكتابتي ووصف قلمي بأنه قوي، لم يكن هناك كلام زائد مجرد وصف بالقوة لكن هذه القوة انقلبت لضعف حين لم أستطع كتابة أي شيء بعدها لا شعرًا ولا نثرًا لعام كامل.
بالطبع كان المقصد من الكلام التشجيع، وربما كُنت حينها لم أنضج كفاية فركبني العُجب بنفسي ووقعت في شباكه حيث كان المسؤول هو نفسه أستاذي الذي تعجبني كتابته وهو من يقول: إن قلمي قوي مما جعلني أستغر بنفسي وأقف على أطلال تلك المقالة التي أعدت قراءتها مرارًا بابتسامة نصر، ولم أعلم أن الإعجاب بالنفس مدعاة لخسارة فادحة لروحي بإقصائي عن عالم الكتابة لفترة ليست قصيرة.
جميل أن نقول الكلمة الطيبة بالمدح وندعم الآخرين على الاستمرار ولكن فلنحذر من المدح الزائد والذي ربما يكون أقرب "للصبغ" أو المجاملة، وبالطرف المقابل علينا مداراة أنفسنا من تلقي كلمات المدح والاعتماد عليها كي لا يتفشى بنا داء العُجب فيهلكنا.
علينا ألا نرضى عن أنفسنا تمامًا مهما تلقينا المدح من هنا أو هناك كي نستطيع النهوض بهذه النفس وترويضها فيك وعدم إعطائها ما تريد.
يا شهر الله تمرة إفطاري اليوم فيك اخترتها من يد السلطان الرضا (ع) الذي به أطلب أن ترضى عنا مهما كانت خُطانا فيك قصيرة حتى مع تقارب أيامك للانقضاء، وبغربته أسأل أن ترحم غربتنا ووحشتنا بعدك.



