إعجاب (2)

تحدثت لك بالأمس عن واحد من تفرعات الإعجاب والتي حين تبدأ، تبدأ بالنفس أولًا ثم تتجه للإعجاب بالآخرين ومواقفهم التي تفتح لنا درسًا جديد.
وإن جئت لحال زماننا اليوم أصبح الحصول على المعجبين هو الغاية والهدف، فلا يهم الوسيلة التي قد تصل لإيذاء الآخرين والاستهزاء بهم والضحك عليهم بقبالة الحصول على كم من المعجبين الذين لن يترددوا عن الضغط عن أيقونة الإعجاب أو الـ"Like" لتصل المادة الاستهزائية للجميع، لكن هذا الإعجاب يتعسر الضغط فيه على الأمور المفيدة ثقافيًا أو صحيًا أو دينيًا وغيرها، وتستغرب من بعض التعليقات التي لا تلتفت للمضمون المفيد بل يكون همها توجيه الانتقاد والتنمر على مقدم المعلومة وشكله!
وهنا سأذكر لك أن البعض لا يكون أذاهم لمن هم مثلهم بالبشر ومن يستطيعون أخذ حقوقهم ولو بالشكوى، ولكنه يمتد ليطال حتى البهائم التي لا تقوى على التعبير.
أعترف أني كنت أضحك على أحد المقاطع القديمة التي تم تركيب صوت عليها يجعلها مضحكة وهو يتندر على بعض المناطق بالقطيف، ولكن لو تأملت الآن فيه واسترجعت محتواه فإني أجده بالأساس محزنًا لأنه كان هناك مجموعة من الفتية متعاونين لأن يرمو حمارًا بالبحر ومن مكان مرتفع وحال رميه ماذا سيكون مآله سوى الغرق؟
بحياتنا الواقعية وخارج نطاق تصوير المقاطع كم نرى من يؤذي القطط ويقتلها بدم بارد فقط لصوتها المزعج الذي لا ينافس صوت إزعاج معاصيه، وماذا نحسب أنه يقول غير التسبيح لله لنقارنه بما نقوله نحن لنحسب أننا أفضل منه؟
مناظر دهس القطط أو الحمام ربما نصادفها بعض الأحيان ويكون عارضًا ودون قصد ربما، ولكن هناك من يتعمد ذلك، فمن فترة رأيت مقطعًا لمنظر حمام مدهوس ولم تكن حمامة واحدة أو اثنتين فقط بل مجموعة كثيرة من الحمام تم دهسها وقتلها وأتوقع لم يكن لديها فرصة للطيران حال اجتماعها ببقعة معينة ليأتي صاحب السيارة مسرعًا ويباغتها ليعمل فيها مجزرة جماعية.
الله عز وجل يقول بكتابه: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}، وعن رسول الله (ص): "ما من دابة -طائر ولا غيره- يقتل بغير الحق إلا ستخاصمه يوم القيامة".
وعنه (ص): "من قتل عصفورًا عبثًا عج إلى الله يوم القيامة منه يقول: يا رب إن فلانًا قتلني عبثًا ولم يقتلني لمنفعة".
وبالأيام العلوية لأبينا علي (ع) لا أتوقع أن أحد لم يسمع ماذا جرى للأوز حين أراد الخروج خرجن وراءه ورفرفن وصحن في وجهه وكان قبل تلك الليلة لم يصحن، وقال لابنته: يا بنية بحقي عليكِ إلا ما أطلقتيه، فقد حبست ما ليس له لسان ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش، فأطعميه وأسقيه وإلا خلي سبيله يأكل من حشائش الأرض "فوصايا الأمير لم تنس حتى الرفق بالحيوان.
وهنا بالحديث عن الرفق بالحيوان صادفني موقف أعجبني جدًا به صورة جميلة من الرفق أود تخليدها بالذكر عندك؛ من فترة ليست بعيدة جدًا ذهبت للبقالة التي بالقرب منا لأبتاع بعض الأغراض لمأتمنا وبالطبع سيكون شرائي لكميات وسأستغرق وقتًا بالمحاسبة، وأنا أنتظر الكاشير يحسب الأغراض ويحاسبها، دخل طفل للبقالة وكان لا يرتدي الكمام فابتاع له كمامة بريال كي يستطيع دخول البقالة وما أسرع أن جاء وهو يحمل علبة زبادي وكأنه في عجلة في أمره أعطى رياله للكاشير بسرعة وذهب.
وأنا عائدة للبيت صادفته في طريقي وقد فتح الزبادي ووضعها بالقرب من إحدى السيارات التي تختبئ تحتها قطة،فتعجبت منه وسألته مستفهمة هل اشتريت الزبادي الآن لتعطيه للقطة؟ فأجابني بالإيجاب وكان بودي حينها احتضانه وإعطائه شيئًا بسيطًا لولا ما عاقني من حمل الأغراض وثقتي أن الله سيعوضه بالكثير.
قد يكون لدينا الريال سهل المنال وليس شيء يُذكر وقد نرميه هنا وهناك دون اكتراث به فهو أشبه بلا شيء، لكن لدى الأطفال هو شيء يُذكر بالتأكيد، فأعجبني كيف آثر للقطة ريالاته وابتاع كمامة رغم أنه ربما كان بالإمكان الذهاب لبيته وأخذ كمامة مجانًا، لكن عجلته في إطعامها الزبادي دعته للتضحية بريال لأجل كمامة حيث شعرت وكأنها كانت جائعة وفي حالة مستعجلة وتحتاج من يُنقدها وكان الطفل الجميل الذي أعطيه سبع سنوات من العمر هو بطل الإنقاذ، فهنيئًا لمن ربى فيه الرفق بالحيونات والشعور بها.
ربما يكون الأمر عاديًا لدى البعض ولكن لأننا أصبحنا نرى الصورة المعاكسة أكثر من هذه الصورة لذلك كانت صورة جميلة تحتاج التأطير والاستنساخ، ولا أتوقع أنه لم يمر على أحد بالمدارس هذا الحديث الذي يقول النبي صلى الله عليه وآله فيه: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض.
حين نسمع عن جمعيات الرفق بالحيوان بالدول الغربية ربما يكون شيئًا مستهجنًا وشيئًا لا داعي له عند البعض، لكن الأصل بالرفق هو من ديننا وللأسف هم يعملون ببعض تعاليم الإسلام من دون إسلام، ونحن من نملك الإسلام ولا نعمل بتعاليمه فترى البعض ينثر السموم على الأكل ويعطيه أكلًا مسمومًا بدلًا من الرفق بها وتخصيص مكان يحتويها إذا كان بها شيء من التهديد لحياة البعض.
هناك تعاليم إسلامية حتى بالذبح تكون رفيقة بهذه الأرواح التي ترافقنا الحياة؛ من ضمن هذه التعاليم والمستحبات ألا يذبح ما رباه لأن هناك علاقة نشأت بينهما، فعن أبي الحسن (ع) قال الراوي: جعلت فداك كان عندي كبش سمين لأضحي به، فلما أخذته وأضجعته نظر إلي فرحمته ورققت عليه ثم إني ذبحته، قال: فقال لي: ما كنت أحب لك أن تفعل، لا تربين شيئًا من هذا ثم تذبحه.
وأيضًا هناك اهتمام بأدق الأمور التي قد تدل على الرفق بالحيونات كأن لا يري الشفرة للحيوان الذي يريد ذبحه، فقد روي عن النبي (ص) أنه مر برجل واضعًا رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليها ببصرها، فقال له: أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟.
وعنه (ص) أن الله تعالى شأنه كتب عليكم الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته.
ولو أتينا لأكثر تفصيل وجد بالتاريخ لمسألة قتل الحيوانات خاصة بموسم الحج هو ما أفضى به جواب الإمام الجواد (ع) حين سُئل سؤالًا اعتقد سائله أنه سيعجزه وقال ما تقول في مُحرم قتل صيدًا؟ لكن جواب الإمام وتفصيلاته كانت لإلقامه حجرًا من الانبهار لعلمه رغم صغر سنه الشريف.
قد نذهب للحج ولا نسأل أنفسنا لماذا لا نستطيع قلع نباتات الحرم ولا حتى إخافة حمام الحرم وإزعاجه، ببساطة لأنهم في حرم الله وأمانه.
يا شهر ربي يا من أغلب أدعيتك تتضمن طلب التوفيق للحج في بيت الله الحرام لنُكمل ما بدأناه معك، ها قد وصل عداد أيامك لليوم السادس والعشرين ولا أعلم أكان اسمي مسجلًا لديك ممن شملتهم الرحمة الواسعة لأطوف وأسعى وأنا ممتنة لكرمك معي.
ولتحضير كرمك وجودك اخترت أن تكون تمرة إفطاري اليوم من يد جود الجواد (ع) لأضع حبي له وسيلة للتشفع لي لديك لعل اسمي يغدو مع السعداء الذين يشهدون موسم الحج مع إمام زمانهم (عج) ويتضرعون لله أن تكون السنة الأخيرة لغيابه.



