جهاد وداعك!

بآخر الساعات منك أنا عاجزة حتى عن صياغة عبارة المقدمة لأنهي تمراتي الثلاثين فيك، لكن غبنة قلبي ستكتب لك اليوم وستقول لك من الآن تسربت الوحشة مذ خفتت الأصوات التي كانت بالأمس تحييك بالذكر، مذ رددوا نداء الوداع وأدعيته وبكى من بكى عليك.
ولكني للآن لم أبك عليك بحق ربما لأني للآن لا أستوعب انتهاء أيامك وإعلانك موعد الرحيل، بالأمس كانت إحدى الأقارب تسأل هل تتوقعون غدًا عيدًا؟ فكنت أول من يجاوب بـ"لا"؛ لأني متيقنة أنك لن تخذلني وستعطيني يومًا إضافيًا لأكمل ثلاثينك دون نقص.
يغيظني جدًا من يتمنون فراقك بسرعة وكأنك ثقل عليهم ولا يعلمون كم أنت ضيفًا خفيفًا سرعان ما تحمل متاعك وترحل، وفي القلب أمنية أن تعود ونعود معك لترانا أكبر في عينك بإذن الله لأنه فيك تُكتب أقدارنا ونتزود فيك بالمدد الذي نتزود فيه لنصل موسم الحج وموسم عاشوراء وليالي الزهراء إلى أن نعود ونشهد حضورك لنشكرك فيها على سلامة الوصول إذا كانت أعمارنا مستها البركة ببركاتك.
أنت كُنت كورس تعليمي شامل على مدى ثلاثين يومًا تعلمنا فيك قرآنيًا وفقهيًا وعقائديًا وصحيًا وتربويًا واقتصاديًا ومعلوماتيًا وكل علم يخطر بالبال، وحتى لو لم نستطع الإلمام بكل شيء ولكن يكفينا أخذنا ولو زهرة من كل بستان لتشهد عقولنا بإضافتها فيها بالزهو والألق.
وبطبيعة الحال حين يتعلم شخص لكورس معين فإنه يسعى لتدوينه وتطبيقه بمشروع خاص لتثبيته من الضياع وبالطبع المشروع يحتاج بصمته الخاصة ليكون من مخرجات طلاب الكورس، وحتى لو خزنه في جهاز حاسوبه ربما يضع عليه أمانًا وكلمة سر خاصة إذا تعب في الحصول على المعلومات والعمل فيها كي لا يُسرق أو يهكر، وربما يستعين بالأمن السيبراني للحفاظ على معلوماته.
وهذا بالطبع ما نحتاجه بحفظ مُخرجات وعادات الشهر الكريم التي اكتسبناها فيه، فأمامنا سويعات وتُفك أغلال الشياطين حتى لو كنا نعتقد أن شياطين النفس كانت لا تقل خطورة عن شياطين الجن حيث إن الذنوب لا تتوقف على إشارة من الشياطين لأن هناك من لا يحتاج إشارة لأن يداه ورجلاه تقوده لما يريده الشيطان سلفًا.
نحن مثل من يخرج من العمليات ويحتاج فترة نقاهة علاجية حتى يستفيد بأقصى فائدة من العلاج، لهذا علينا أن نبتعد عن المواطن التي تُنقصنا من البركات التي تم اكتسابها بأيام ضيافتك التي كانت مرممة لأرواحنا المتهالكة فهل نذهب لمواطن هلاكها بأرجلنا دون تعذر عن ذلك؟
بأول الأيام بعدك يكون العيد السعيد ولقاء الأهل والأقارب وقد يكون هناك توزيع العيديات ويتفنن البعض بتقديم عيدياته بشكل فخم وفاخر، فهل نتلف حسناتنا فيك بالحديث عن شكل فلان وقلة عيدياته أو قصة شعر فلانة وعدم استطعام طبق الحلى الذي أتت به والاستهزاء بهم أو التنمر عليهم؟
بالعيد بعدك أكبر حصانة قد نخرج بها منك إذا أخذنا بأفضل عمل قال عنه الرسول (ص) بخطبته باستقبالك وهو الورع عن محارم الله.
ليس مهمًا أن نكون قد خرجنا منك ولم نستطع ختم القرآن مرة أو أكثر، ولا قرأنا كل الأدعية التي تقال فيك ولا أدينا كل الصلوات المستحبة بلياليك، لكن الأهم هو تورّعنا عن ما هو محرم، فقد تلاقي أحدهم قد لا يدل درب المساجد والتعبد فيها لكنه بعيد عن المحرمات ولو استدل درب المساجد لكان نورًا على نوره.
فلنضع هذه القاعدة في أذهاننا إن لم نستطع فعل المستحبات وزيادة درجاتنا بالدنيا ونحن أحياء، أقلا فلنبتعد عن المحرمات لكي لا تورثنا الحسرة والندامة ونحن أموات، فمن ينظر للمقابر وحالات الوفاة المفاجئة لا يأمن أن الدور ربما لا يُمهله لعقد التوبة النصوحة قبل لقاء الله.
ولا نتوقع أن العبادة ومستحباتها فقط منحصرة بالصلاة والصيام، الإمام العسكري (ع) يقول: «ليس العبادة كثرة الصيام والصلاة وإنما هي كثرة التفكر في أمر الله».
هل تفكرنا وتأملنا في خلق الله وقدرته؟ هل تأملنا ذاك الهلال الذي يعلن بداية شهر جديد، البعض يراه هلال العيد وبداية فرحة الصائم والبعض يراه نهاية شهر خير وإعلان وداع والحسرة عليه.
ويعود بنا الإمام العسكري لأهمية الورع بقوله (ع): "من كان الورع سجيته والكرم طبيعته والحلم خلته كثر صديقه والثناء عليه وانتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه".
وأعدى أعدائنا هي أنفسنا التي بين جوانحنا والتي يحثها الهوى لارتكاب أي محرم أمامها دون أن يردعها رادع، هي النفس التي قالوا عن مواجهتها تحتاج جهادًا أكبر لأنها تحتاج مجاهدة في طاعة الله، أما قتال الأعداء مهما كانت خطورتهم وعددهم فهو لايزال جهادًا أصغر.
وكلام الأمير أمير الكلام حين قال: "جهاد النفس مهر الجنة" وقال أيضًا: "جاهد نفسك وحاسبها محاسبة الشريك شريكه، وطالبها بحقوق الله مطالبة الخصم خصمه".
وحتى نستطيع الانتصار بساحة الجهاد على النفس لابد لنا أن نتحصن بعسكر ويكون لدينا مدد يحصننا عن الميل لها والانهزام لمطالبها الخادعة، ولا أجد عسكرًا قويًا مثل وجود مدد مولاي الحسن العسكري (ع).
بيوم ختامك ووداعك يا شهر الله والذي تنتهي به فترة حصانتنا من الشياطين فتمرة إفطاري فيه هي من يد كرم مولاي الحسن العسكري (ع) ألوذ بحمى عباءته ولطفه ليحمني حماية من نفسي وهواها بجنده وعساكره لعلي أنتصر عليها ليكون عيدي سعيدًا فعلًا بعدك، ويكون أمنية ظهور ابنه الحجة (عج) هو العيد المأمول العيش فيه بأمان وسلام حتى من أنفسنا.
يا شهر الله توقف الكلام وانتهت الساعات والدقائق وحتى الثواني ولم يبق معي سوى التوجه لله بالدعاء لوداعك والسلام عليك.
أَللّهُمَّ وَما أَلْمَمْنا بِهِ في شَهْرِنا هذا مِنْ لَمَم أَوْ إِثْم، أَوْ واقَعْنا فيهِ مِنْ ذَنْب وَاكْتَسَبْنا فيهِ مِنْ خَطيئَة عَلى تَعَمُّد مِنّا، أَوْ عَلى نِسْيان ظَلَمْنا فيهِ أَنْفُسَنا، أَوِ انْتَهَكْنا بِهِ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِنا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاسْتُرْنا بِسِتْرِكَ، وَاعْفُ عَنّا بِعَفْوِكَ، وَلا تَنْصِبْنا فيهِ لِأعْيُنِ الشّامِتينَ، وَلا تَبْسُطْ عَلَيْنا فيهِ أَلْسُنَ الطّاعِنينَ، وَاسْتَعْمِلْنا بِما يَكُونُ حِطَّةً وَكَفّارَةً لِما أَنَكَرْتَ مِنّا فيهِ، بِرَأْفَتِكَ الَّتي لا تَنْفَدُ، وَفَضْلِكَ الَّذي لا يَنْقُصُ.
تمت بحمد الله وتوفيقه وشكر أهل بيت العصمة (ع) تمرات الإفطار الثلاثين ونسأل الله قبولها والعود على مثلها بشهر الرحمة والمغفرة إن شاء الله بالقابل من السنين.



