لكي يدوم التميز

الماضي إذا انقطع لا يعود. والتاريخ لا يكرر نفسه. والتميز لا يدوم إلا بأسباب الماضي بتاريخه يستمر في حالة واحدة فقط وهي أن يترابط مع ما بعده وما بعده بالتعاقب ترادفًا مع الجهد والإصرار والارتقاء به إلى حيث الأفضل ولن يكون ذلك إلا بتوالي الإنجازات وقهر كل الظروف على اختلافها وبهذا تستمر المحافظة عليه حاضرًا أكثر جمالًا، ومستقبلًا أرحب استشرافًا.
بعض هذا الماضي يستحق أن يستمر، وأن نأخذه معنا لنرعاه ونطوره ونرتقي به، وبعضه المتواضع لا يستحق وعلينا غربلته أو نسيانه وتركه وراء ظهورنا لنبدأ من جديد ومن خطوة انطلاق أولى، وأن نتجدد لنواصل المجد حيث توقف إن كان تحقق فعلًا بدل التباهي والتباكي على ما طواه النسيان.
الماضي الذي لم نحافظ عليه يعتبر مهدومًا ومتحللًا وقد انتهى وأصبح ذكرى، ولن يعود بالتبجح وتقليب صفحات طويت، فقط نستطيع أن نقول بأنه كان لدينا ماضٍ عريق، وأن نأخذ منه العبرة ليعطينا الدافع والإلهام بأننا نستطيع أن نفعل ما استطاعه غيرنا من قبل وبأن نضع بصمتنا ونصنع مجدًا كما صنعه من سبقونا وبعنفوان أكثر تألقًا.
في أي مجال وعلى اختلافه ولكي تكون في الصدارة وفي أجواء التنافس لابد أن يترابط الماضي بالحاضر ترابطًا قويًا حفاظًا على الوهج والمتانة والمكانة والشخصية التي تكونت وهذا يحتاج لتضحيات وتغليب الروح الجماعية والبعد عن الأنانية والاستفراد بالقرار، وأن نعيش الحاضر بواقعية، ونؤمن أن هناك من يتطلعون أيضًا لكي يبرزوا وينجحوا، ويجعلوا أجواء التنافس تتعاظم وتتقارب مع غيرهم، وخاصة مع المتفوقين.
مجال الرياضة هو من أبرز الأمثلة خاصة أن المنافسات فيها قوية وشرسة رياضيًا وهي مفتوحة للجميع ومن حق هؤلاء جميعًا أن يتطلعوا لما يصبون له ولا يمكن أن ينفرد بذلك فريق دون آخر مهما كانت الإمكانيات المادية واللوجستية وقوة البنية التحتية، فهذه لا تكفي لكي يتفوق طرف بعينه دائمًا، ولا أن يتفرد آخر بالصدارة طوال تطلعاته.
هناك إمكانيات أخرى ظاهرة وأخرى كامنة لا تظهر إلا في حينها تميز فريقًا دون آخر. وهناك قدرات تكاد تكون خارقة للعادة أحيانًا وهي تلك التي تصنع من الضعف قوة ومن الهزيمة عزيمة ومن قلة الحيلة شعلة وهج تولِّد الفارق المبهر والذي يعجز عن تحليله خبراء المجال.
في الرياضة لا يمكن التسليم بنتائج مسبقة، أو أن يتكئ أحدٌ على التاريخ ليكون له العصا السحرية التي تهبه النجاح باستمرار ويحقق الأهداف خاصة إذا ما غرُبَ هذا التاريخ وولى إلى غير رجعة، وهذا أمر يجانب الواقع.
رأينا ومازلنا نرى فرقًا أقل إمكانيات قياسًا بغيرها وهي تصنع الإبهار والدهشة وتتخطى حدود الافتراضات لتصنع تاريخًا مختلفًا وتفتح باب الأمل على مصراعيه لجميع الفرق لتقول لهم إن الفرص مواتية للجميع وهي حق مشروع لكل من يحدوه الأمل، فقط عليهم أن يشمروا عن سواعد العزيمة وأن يخلصوا ويفعِّلوا روح الجماعة ومكامن القوة، وعندها لن يكون هناك خصم قوي وخصم ضعيف، بل هناك ميدان أقوياء يضع الجميع أمام بعضهم في مواجهات عادلة، لتكون العبرة بالنهايات وأن يدوم التميز دون اعتبار لفوارق تتلاشى عند أول صافرة يطلقها الحكام ليفوز من يستحق الفوز، والتوفيق بيد الله تعالى أولًا وأخيرًا.



