كُلْ ما تشتهي نفسك.. لأن المسأله ذوقية!

القمح، الأرز، الذرة، البطاطس، محاصيل زراعية تحظى بمجد عالمي، وسلع غذائية أساسية فرضت نفسها بقوة عجيبة على كل شعوب الأرض وثقافاتها، وما زالت تحافظ على مكانتها القديمة، ومع مرور الزمن اكتشف الإنسان المكانة المرموقة لهذه المحاصيل بين قائمة الأغذية التي لعبت دورًا كبيرًا في حياة الإنسان، لما تحتويه من كميات وفيرة ومتوازنة من الفيتامينات والعناصر المعدنية والأحماض الأمينية والبروتينات والدهون والسكر والنشا والألياف الغذائية، ومن دون الغوص في الخصائص الغذائية وفوائدها الصحية التي لا يوجد خلاف حولها، فالتجربة الإنسانية مرت بمراحل امتدت بين الجوع والإشباع وبين التذوق والاستمتاع فصلًا من فصول التحضر الإنساني.
الإنسان العادي هو بطبيعته عادي بكل شيء، يتناول الأطعمة التي يرغبها، طالما لا يشتكي من أي مشكلات صحية تحول دون تناول هذا الطعام أو ذاك، إلا أن هناك ببساطة مفهوم عام يعرف بالذوق والتذوق والاستساغة، وهي واقعة وفعلية بغرائزيتها، موضوعة كالساعة البيولوجية أو كجهاز التنفس، فحاستي الشم والذوق تثيران شغف الإنسان وتجعلانه يستمتع برغباته الطبيعية أو ما يسمى بـ"الذوق الإنساني" وهي سبب من أسباب التحول من الإشباع إلى التذوق والاستمتاع، وهي علامة من علامات التحضر ورقي الحس، فكثير من الناس لا يأكلون تلبية لحاجة البطن -فحسب- بل الرغبة الإنسانية في ما يأكلونه ويشربونه، ولقد اقترن الذوق والاستمتاع بأصناف الطعام وطرائق طهيه وإعداده، وهذا ما يميز طبع أناس عن غيرهم، فهناك أشخاص لديهم انتقائية في اختيار مأكلهم، فهم لا يأكلون أي شيء ولو كان الطعام لونه جذاب، هم يستعملون في تحقيق ذلك ليس حاسّة النظر، إنما بقية الحواس الأخرى، ومن هنا نستنتج أن الإنسان بحكمته وحواسه وتفاعله يستطيع استدراك صلاحية ما يأكله قبل التهامه.
لقد شدني ما انتهى إليه المتحدث الدكتور عبد العزيز العثمان أستاذ واستشاري التغذية العلاجية في أكثر من مقطع متداول بقوله: "هذه الحبوب مثل الذرة والحمص والماش وفول الصويا بديل أفضل من القمح بكثير" كونها خالية من الجلوتين لمن يعانون حساسية من هذه المادة، وهناك أمر آخر يندرج ضمن سلسلة من الحملات التي تطالب بالتوقف عن تناول خبز القمح كونه تعرّض للمعالجات الحيوية، فلا يكاد يمر وقت دونما أن نسمع عبارة "توقف عن تناول الخبز المصنوع من دقيق القمح؛ لأن معظم مشاكلنا سببها ذلك المحصول" فهل لدينا القدرة على اتخاد ذلك القرار بشعارات بدا عليها الهزال واضحًا. لقد سئم الناس من كل شيء يتعلق بالحرمان والتوقف عن أكل هذا الطعام أو ذاك، هذه فلسفة الأطباء حول ما هو ضار أو نافع، هم يعرفون تأثير الغذاء في الجسم، ولا يهتمون بالمثل السائر: "كُلْ ما تشتهي نفسك"، وخروجًا من هذه الفلسفة التي تقطع بصحتها أو رفضها، أحببت هنا توضيح فحوى هذه الفلسفة. فثمة من يرى أن المريض يجب أن يلتزم بأطعمة خاصة، وينسى أو يتجاهل أن فرض أطعمة مناسبة لحالة المريض الصحية تشعره بالضجر والحرمان.
قبلًا، كانت تصنع أرغفة الخبز الرائعة من أفضل أنواع القمح الصرف المطحون بالرحى الحجرية، ويتم عجنها ورفعها بفعل أنواع طبيعية من الخميرة، وتفرد وتدفع في قلب التنور المستعر، لتعلو وتنتفخ مع طقطقة لهب خشب الشجر أو كرب النخيل؛ صورة الأرغفة المدورة في داخل التنور تجسد الخبز الحقيقي من كونه ريفيًا وزراعيًا، ومن لمسة يد خباز متمرس يصنع الخبز من البداية إلى النهاية، ويكفي لإطعام عائلة تعاني من ضيق ذات اليد.
اليوم هناك متغيرات كثيرة حدثت للخبز التقليدي بسبب تقنيات العصر الحديث، رغم تحول مهنة الخبازين لأكثر سهولة، إلا أن رغيف الخبز أصبح أقل قيمة ولا يشبع، فالدقيق مسبق التجهيز والتخمير الصناعي، والعجين مثلج معمليًا أو مبردًا، والأفران تدار بالغاز أو بالكهرباء، والخبز سخي المظهر ولا يكاد يزن شيئًا والمصنوع من نوعيات دقيق أرخص ومعالج، ولا يتيبس ويتعفن، بوجود المحسنات المثيرة للشكوك والجدل، هكذا زحف رغيف اليوم رخيص القدر، فهل سنظل نتحسّر على أيام زمان؟ ولِمَ كل هذه الحملات على دقيق القمح؟ وماذا يعني هذا؟ تحول القمح أو الخبز الذي صنع منه إلى قضية شغلت الكثير من الناس، ومن الطبيعي أن تكون القضية مثار جدل لكونها تفتقر إلى التوازن. لقد وفرت مدنية القرن الواحد والعشرين فيضًا في إنتاج المواد الغذائية، وقضت علومها وتقنياتها على الأرض الخالصة التي لم تقربها شوائب الملوثات، واستبدلتها بالأرض الخصبة لانتشار أمراض جديدة.
فكرة استبدال حبوب القمح بأصناف حبوب أخرى في صناعة الخبز لمرضى السكر أو من يعانون حساسية الجلوتين، تلك هي توصية الدكتور العثمان.
على كل حال، لو افترضنا جدلًا أن البديل قادر على سد حاجتنا من الخبز، فهذا لا يعني بالضرورة الرضا والقبول بهذا البديل، ففي معظم الأحيان يشعر الشخص بعدم إشباع متعته الذوقية، وقد تظل المشكلة باقية كما كانت سابقًا، بل ربما فكر في العودة إلى رغباته الطبيعية بغية الاستمتاع.
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات.



