أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وتسقط دافئة.. «1»

جمال الناصر · القطيف اليومالسبت 14 مايو 2022، 10:07 ص
وتسقط دافئة.. «1»

‏‏لا يعلم كيف كانت البداية؟ ولم يتصور كيف ستكون النّهاية! كلّ ما شعر به الآن، الدّمعة الدّافئة، التي سقطت من عينيه.
‏أجدني أراه، يتأمل اليراع، يُقلبه بين أصابعه، يتحسس ضوء الشّمس من النّافذة، يُغمض عينيه، كأنَّه أراد الهُروب من ذاكرته، لينغمس في صمته أكثر، أم تُراه، يستجلب الذّاكرة، حالة من التّوتر والقلق تعتريه فلا يشعر بي وأنا أتأمله، ولا يشعر بذاته وهو يتأملها، إذًا كلانا لا يشعر بنا.
‏يُعيد استشراف الكتابة، فلا يستطيع، اليراع بين أصابعه في الرّغبة واللا رغبة، لم تكن أصابعه على القرطاس، كانت على قطعة ثلج، كلّما اقترب منها، تنتابه الرّعشة، كيف التقاء التّضاد؟ في داخله حرارة، كأنَّه الصّحراء، وكلّ الأشياء من حوله، كأنَّها الصقيع من الجليد.
‏يأخذه الطّيف إلى حيث ما يُشبه اليقظة، ما يُشبه المتاهة، هل كلانا امتزاج ما تحتفظ به الذّاكرة، أم ما تحتويه الطّبيعة؟، كلانا لا يعلم.
بين الفينة والأخرى، يأتي إليَّ، ليُبحر بي، ولا أقوى إلا أن أبحر فيه، كعناق رمال الشّاطئ، كلّما عانقته الأمواج، لتغيب عنه في لحظات.
‏في الذّاكرة كثير من الأشياء المُتراكمة، الكلمات البوح، تهرب من الوقوف في شوارعها، كلّ الذي يعرفه كلانا، أنَّ الوقوف، يُشعل الوقت ألمًا، فالظلّ، يصهرنا، كالمجاز، ليُصفف المعنى، كعينيه، التي أبصر بها المسافات، وكعينيَّ، التي يُبصرني بها.
‏أفلت اليراع، توجه ناحية الباب، خرج من المنزل، مرّ على الحديقة المُفعمة بالعُشب، الأزهار، ممر الحديقة مفروش بالطّوب ذي الألوان الجذابة، لم يشعر بكلّ هذه الجمالية، يعشق الظّلام، يستطيع من خلاله أن يكتبه، ويمنحه فرصة الكتابة، هما لا يلتقيان إلا في الكتابة، خُطواته لا يعرف وجهتها.
جاء المساء، انتظره يمضي سريعًا، أغرق ذاته في القراءة، يقول: كم أنّي أعشق القراءة! لماذا؟ أساله، يُجيب: لأنّي أراك فيها، وأشعر بك، أحدّق فيه، إنَّه يراني طيفًا، أغريب أن يٌحدّث الإنسان طيفًا؟ يبدو الأمر غريبًا، أجيب.
‏أغمض عينيَّ الآن، أمعن في الإصغاء إليه: وهل تعلم أنّي في غيابك ألف باب تجاوزته بكلّ جراحاتي؛ لأخبرك أنّي بخير، يسألني، أجيبه: لن أقول أعلم، ولكنّي أشعر بذلك، أتقن صمتك، لأقرأ لغتك، يبتسم، ويُدير طرفه.
‏اقتربت منه، لا ينظر إليَّ، اقتربت أكثر، شيء من الجاذبية، يلمسنا، كلانا يشعر به، همست في أذنيه: لم أر للخيبة أعمق من الصّمت، التفت إليَّ، لا يُحرك شفتيه، لكن نبضات قلبه، تُحدثني: أنت دائمًا تُدهشني، تفهمني، كأنَّك فيَّ، كانت بُرهة، أغمض عينيه، يبدو أنَّه أخلد للنوم، هُناك نافذة.