صرخة حق

سافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم و..و..و..وصحبة ماجد لكني اكتسبت من الأولى الحزن و أنا المسافر من أجل تلك الفوائد ، ما أن وطئت قدماي أرض ( أوسلو ) و عقلي يرشدني لرؤية رائعة الفنان (مونش) الصرخة ، تلك الصرخة المدوية فنيًا وتعبيريًا في أرجاء المعمورة ، ثمة صرخة صامتة لفتني بنحيب داخلي عند ورود نبأ رحيل المبدع عبدالحسين عبدالرضا ، فتحول التفريج إلى حزن ، وصدى صرخة اللوحة اختلط صداها مع عدة صرخات وصلتني أثيريًا من لدن جماهير ومحبي أبي عدنان المقدرة لفنه أيما تقدير ، بل هي صرخة حق بضمير الجمع ، نسمعها مدوية صوتًا وكلمة وصورة من لدن الشرفاء والبسطاء بكل شرائحهم ومشاربهم وأعمارهم ومذاهبهم ، صرخة مضاعفة في وجه هؤلاء المرضى النفسانيين المصابين بالهوس الطائفي ، حينما أعلنوها صراحة و أمام الملأ بعدم الدعاء والترحم على رحيل هذا العملاق !
حين يلف الحزن ناس فقدوا فجأة من أسعدهم بفنه الراقي لأكثر من خمسة عقود ، فشيء طبيعي يلفهم الحزن ، و كل منهم يواسي الآخر على مرارة الفقد ، والعجب كل العجب و سط كثافة الحزن الجمعي يأتي موتور ويشمت بموت من التفت الجماهير العريضة على محبته ، فهو بفعله الأرعن يستهدف ذات الجماعة في مصابها ، و يستخف بحزنهم ويسفه تعاطفهم ، و يستنقص بعقولهم .
يا ترى أمن المعقول سيصمتون لك أيها المبغض المأفون ، كلا و ألف كلا ، صرختهم الحقة ستعلو وتعلو عاليًا وعاليًا وستصفع كل وجه قبيح يستهدف كينونة الجماعة التي اجتمعت و توحدت محبتها نحو شخص أفنى العمر كله لرسم البسمة و الضحكة على محياهم ، ونسج لهم جميل الذكريات .
إن قرأنا أو سمعنا من شخص فض فوه وقاحة علانية فبمثله من ( بني صامت ) كثر تغلي قلوبهم حقدًا طائفيًا كريهًا فهم من ذات المستنقع الآسن يشربون ، ياسالكي درب الزلق فتنة لاتأمنون من ( الطيحات ) فأنتم من أسقطتم أنفسكم بأنفسكم في قاع النبذ والإقصاء ، والأجدى للمجتمعات المتحضرة الحجر عليكم أيها المبطلون ، وستصب عليكم اللعنات من الجموع الغفيرة الذين أسأتم لحزنهم وجرحتم مشاعرهم ،
صرخة جماعية ستبصر حتى أذناب من أعميتم أبصارهم بالنظرة الطائفية السوداء .
كل يوم وكل ساعة نقرأ ونسمع كلمات الوداع و سرد الأشجان و مواويل الأحزان وقصائد المعزة والفخر في حقك يا أبا عدنان ، مسيرتك الفنية الحافلة بتنوع العطاء لا أحد يسد فراغها، فأنت لست بفنان واحد ، أنت قبيلة من الفنانين اجتمعت فيك أيها الإنسان العملاق ، وحينما أقدمت وزارة الثقافة والإعلام الكويتية بتسمية أحد منشآتها المسرحية باسمك، فهذا دليل على الوفاء والامتنان لقيمة عطائك ، ورد جميل لعظمة مكانتك أيها الراقي و العظيم ذوقًا وفنًا وخلقًا ، ما أروعك أيها النبيل فطوال مسيرتك الفنية وجميع مقابلاتك الصحفية تعاليت على كل التنابز والاحتراب الطائفي ، الذي يدور من حولنا وحولك و أيضا لم تلوثك الجاهلية الأولى من انحيازك للعرق أو اللون أو القبيلة .
ذات مرة قدمت مسرحية على عجل بعنوان ( فرحة أمة )، واليوم رحلت عنا على عجل و أصبحنا ( أحزان أمة ) ، يا راحلًا عنا أنت بالنسبة لنا ( ذاكرة أمة ) كل منا له حكايتة الخاصة معك وزاويته الطريفة لجميع أعمالك و تنوعات فنك وثراءات إبداعاتك ، بيننا وبينك جميل الذكريات و أعذبها فلن يستطيع أحد من كان أن ينتزعها منا ، فأنت مسكون بين جوانحنا وإن غبت عنا ، فنحن بين الفينة والأخرى نتراسل مع مشاهدك الفكاهية نروح عن أنفسنا كلما ضاقت بنا قسوة الحياة ،فبأي حال سنسمعك الآن ؟.
نم قرير العين فلا نامت عين المبغضين ، محبتنا لك أيها الراحل تفوق الوصف وتعلو على كل أصوات النشاز ، أيها الأحبة في كل مكان صرختكم ليست فضة وإنما عربون محبة وفطرة محمودة ، وصرخة حق في وجوه خفافيش الظلام ،
أيها الحاقدون موتوا بغيضكم فشمس عبدالحسين عبدالرضا
لا تغطى بغربال .
يارحالًا عنا نترحم عليك وعلى كل مبدع أغنى الساحة الثقافية والفنية بعظيم الإنجاز مهما كان مذهبه ، ونحن في غمرة مصابنا لفراقك إذ نتذكر أخيك الراحل الفنان عبدالأمير عبد الرضا ، الذي يشكل علامة في مسيرة الفن التشكيلي الكويتي الذي رحل باكرًا وترك فيك حزن منذ ثلاثة عقود و أنت تضحكنا من القلب متجاوزًا حزنك ، وكنت دائمًا تفاخر به في مقابلاتك وهو الأقرب إليك شبهًا من بين أخوانك .
ألف رحمة على روحيكما أيها المبدعان .
إيه يا أبا عدنان يا سيد الفنانين
كم أسعدت قلوبنا و أنت تتألم طوال سنين بأوجاع القلب ، فلم تتراجع وتستكين طلبًا للراحة ،
آثرت صحتك في سبيل فنك خدمة لنا وكل الناس ، إن رحلت عنا جسدًا فإنك باقٍ بين جوانح قلوبنا روحًا نابضة بالحب والتسامح والطيبة ،
كل قلوبنا و أفواهنا بصرخة حب واحدة وداعًا وداعا ... يا عبد الحسين.



