المغناطيس

اقرأ معي هذا الخبر الجميل: "الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء ناسا تختار الدكتورة بتول المرزوق للانضمام لها ضمن نخبة من خبراء منتقين بدقة من جميع أنحاء العالم".
أعلم أن البعض منكم امتلك قليلًا من الفضول عند مرور اسم (بتول) بالخبر، ولكن في النهاية فإن الفائز في جذب الانتباه اسم شركة (ناسا) والأغلب ركز عليه، وقليل جدًا من امتلك حب المعرفة للبحث عن من تكون تلك الدكتورة، هويتها، تاريخها، أصلها.
يقضي الناس الكثير من الساعات اليوم على برامج التواصل الاجتماعي، يتابعون بدقة تفاصيل حياة شخصيات فارغة، توجه اهتمام وطموح الناس نحو بطونهم ومادياتهم، ويجمدون عقولهم وإبداعهم وأحلامهم.
إننا نعيش في عالم معقد سريع، ويزداد تقدمًا بشكل مخيف، كم من الشعوب تمتلك المال لكنها تعاني من صعوبة مواكبة التطوير، يوم واحد دون إنترنت كفيل ليصدمنا بأننا نملك الكثير الكثير من الأبناء بلا شغف، بلا طموح، وبلا أحلام، تمضي أعمارهم وتهدر متوقفين أماكنهم؛ رغم أننا قدمنا الكثير من التضحيات لينالوا أفضل حياة وأقوى تعليم، فأين يكمن الخلل ؟
نراقب أبناءنا وهم يتابعون أحدث موديلات الأحذية، وأفضل المقاهي والمطاعم وأطور الأجهزة وأمتع الأفلام ونكافئهم أحيانًا بشراء ما يتمنون منها، وحقيقة الأمر أن الأغلب منا دون إدراك يساهم في ركود عقول وقوه هذه الأجيال.
إنني حقًا منبهر، أتعلمون لماذا ؟ لأن بتول المرزوق لم تطرق أبواب شركة ناسا بل جعلتهم هم من يطرقون بابها. الطريق الذي سلكته أثار إعجابي وقد تعجز كلماتي عن وصف حقيقة قوتها ومسيرتها، لكنني مدرك أن أجمل هدية نقدمها إلى أبنائنا هي أن يخصصوا دقائق ليقرأوا عن هذه البطلة العربية، وكلي ثقة أنها ستكون ملهمة للكثير وستشعل رغبة التحدي والإرادة التي انطفأت؛ بسبب ما يصبه الغرب في عقول أبنائنا بغية تدميرها.
لم تُلد بتول بملعقة من ذهب، لم يكن الحظ حليفها، عاشت كبقية الأطفال في أسرة عربية تقليدية، افتقدت الكثير من الأمور، كانت الغربة قاسية لطفولتها، بدأت تتخيل نفسها قوية ومميزة، لم تكتف بالتخيل بل كتبت هذا الهدف بورقة؛ لتتذكر كل يوم أين ستكون وجهتها؟ الحياة حملت لها أوجاعًا كبيرة، ووضعت لها بمنتصف الطرق العديد من العراقيل، لكن عينيها تنظر لتلك الورقة دائمًا.
الكثير من أبنائنا يتوقف اجتهادهم عند نيل الشهادات الجامعية، ويجلسون ينتظرون أبواب التوظيف، ويتوقف طموحهم عند أول راتب عمل، والأغلب يعيش مثل هذا الروتين حتى التقاعد، الاختلاف كان عند (بتول)؛ لأنها حافظت على إيمانها مصدقة أنها تستطيع الوصول لما تريد، لم تكتف بنيل الشهادات بل استمرت راغبة بالمزيد، لم تجلس لتنتظر المجتمع يعطيها المكانة التي تستحقها بل اتخذت من الصبر سلاحًا، وانتظرت كثيرًا بثقة أنها ستحصد ما عملت لأجله، متيقّنة أن الله سيحقق ذلك بالوقت المناسب، لقد صنعت النجاح بعزمها حتى أصبحت كالمغناطيس تجذب كل ما تريده نحوها.
امتلكت شهادة الدكتوراه في علم الأورام، اجتهدت لنفسها، حاربت لأجل أحلامها؛ فزادت جاذبيتها المغناطيسية وجعلت جامعة ليفربول البريطانية تمنحها لقب باحثة لديها، ولحقها مركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث ليكسبها باحثة فيه، وأصبحت ناشطة في العديد من الجمعيات الأمريكية، هذه الشابة الصغيرة في عمر الزهور اليوم من مؤسسي مجتمع العلوم المفتوحة السعودية، فتاة بهذه القوة والفكر والإرادة، أنا متأكد أن كثيرًا من الشركات العالمية ستطرق بابها؛ لأن لديها طموحًا أن تجعل اسم بتول المرزوق يذكر حول العالم.
جعلتني (بتول) أشعر بالإعجاب لإنجازاتها بهذا العمر الفتي، بالخجل كونها ابنة قريتي (الأوجام) ولم ننتبه لها، وبالفخر أنها امرأة عربية سعودية أوجامية، غيرت خرائط العلوم وجعلت للعرب مقامًا ولبلادي عِزًّا واحترامًا.
كل شخص منا ممكن أن يحلق اسمه بعالم النجاح، لم يفت الوقت على أحد أبدًا، لا تفكر بما لا تملك، طور ما أنت جيد به، وتحبه واجعله المخرج لك؛ ليهديك سبل النجاح، لا تفكر بالوقت المناسب ابدأ الآن بما تملكه من القليل، وسترى أن الله يضع لك البركة به بالازدياد والتوفيق؛ ما دمت قد آمنت أنك ستحقق ما تريد.
لقد خلق الله الإنسان ليكن أفضل مخلوقاته، فاجعل طموحك لتطوير الحياة كبيرًا؛ لأن من وهبك هذا العقل يريد منك السعي نحو استخدامه بأقصى الحدود لخير هذه الأمة، فلا تعتقد أن تأخير الوصول هو عقاب بل تجربة تجعلنا أكثر تواضعًا وأعمق حكمة وأسرع للتطور.
كمية من الفخر بين عوائل الأوجام كون اسم قريتنا يسبح في فضاء العالمية، وأنا أرى في كل بيت لدينا قوة مثل (بتول) ودورنا الآن أن نساعدهم في التحرك إلى الأمام نحو أحلامهم لا أحلامنا؛ ليحلّقوا كسرب حمام نحو ما يريدون فهذا العالم يتسع إلى طموحهم جميعًا. لا يتوقف دور الفتاة بالزواج والأمومة، ولا يكتفي الرجل بالعمل والرعاية، ليبدع كل منهم في خدمة المجتمع بكل أسلوب يناسب رغبته وقدراته.
انهض، احلم، اسع، وتعلم وبعدها الكثير من الصبر والأمل وسترى نفسك نجحت بخلق مغناطيسك الخاص بك الذي سيجلب لك كل ما حلمت به بين يديك، فماذا تنتظر؟!



