المثقف المعاق!

أهم خاصية يمتاز بها المثقف، قدرته على استخدام العقل؛ لإيجاد الحلول للمشكلات والتعارضات، حيث يُعمِل ما في رأسه من أفكار وخبرات وأساليب؛ للخروج من إشكالية أو مأزق، وبذلك يتجنب الوقوع في فخاخ المقولات الجاهزة، أو رأي الغالبية، أو المزاج العام للجمهور.
ثمة استقلالية خاصة للمثقف، لا يمكن أن تتشابه مع استقلالية آخر، واتفاق الرأي بين فردين، لا يعود سببه إلى التوافق دون اقتناع، فالشرط هو أن يقتنع ويستجيب لنداء العقل؛ إذ هو الوحيد القادر على توجيه البوصلة، تجاه ما يراه صحيحًا، وسليمًا.
العقل عضو المثقف، وما يحتاج إليه ويستخدمه؛ فبدونه تنتفي صفة الثقافة، وتزول أسباب الاستقلالية والتفرد، فيغدو كأي فرد، لا يختلف في شيء، أما بقية الأعضاء، كالعين والأذن واللسان واليد والرجل، فهي مُعينة للعقل، ولا يمكن أن تحل محله أو تأخذ وظيفته.
ذوو الإعاقة متفاوتون، بعضهم فقد يدًا، أو رجلًا، أو عينًا، وبهذا تكون إحدى أعضائهم ناقصة، ومبتورة، أما حين يفقدون العقل، فإنهم ينتقلون إلى ضفة الجنون، ولا تعود بقية الأعضاء عليهم بالنفع؛ إذ تغدو تصرفاتهم أقرب للحيوانات، تقودها الغريزة، وتسيّرها الحاجة الجسدية، والمثقف على العكس من ذلك؛ حيث تنتفي لديه صفة الخضوع لإكراهات الجسد وغرائزه.
البيئة الثقافية ليست مثالية، ففيها عديد من الأفراد المتفاوتين في امتلاك استقلاليتهم، فهؤلاء يخضعون لمنطق العقل، حين يمارسون عرض أفكارهم وآرائهم؛ حيث لا يميلون مع الغالب والشائع، ولا يصفقون للمبتذل والتافه، ولا يرفعون الأمور فوق حَدها، ولا يخفضونها أقل من شأنها، هم -بصورة دقيقة- يضعون الأمور مواضعها، ويجيدون توليفها مع اتجاهاتهم، دون المساس بصدقيتهم، وتجردهم من التحيُّز، والانتماء.
المعاق ربما فقد بصره، وبذا يعتمد على السماع، أو ربما فقد سمعه، وبذا يعتمد على يديه "لغة الإشارة"، أو ربما عجز عن الحركة، وبذا سيعتمد على الآخرين في شؤونه، أما المثقف فهو وإن استغنى عن بعض أعضائه، ولم يستخدمها؛ إلا أنه يظل محتفظًا بجوهره المشع، وسمته الأساسية التي تميزه، وهي التفكير العميق المتوازن القادر على انتشاله وانتشال بيئته من مشكلاتها، حين يمسك زمام القدرة على تنفيذ الحلول.
مثلما الإعاقة الجسدية؛ تكون جزئية وكلية، فكذلك الإعاقة الثقافية؛ تكون جزئية وكلية، فغير القادر على الحركة؛ مصاب بعجز كلي، أما فاقد القدرة على السمع؛ فمصاب بعجز جزئي، أيضًا العقل له حدود؛ لا يستطيع مجاوزتها، ولا يمكنه بلوغ ما بعدها، حيث يعتمد على عديد من المتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية والدينية..، وهي أمور مؤثرة دون شك، لكنها لا تعني تخلِّيه عن دوره في هداية المجتمع، وطرح الأفكار التي يراها تساعده على الانتقال من حال سيئ إلى حال أفضل.
"التكامل" خاصية وسمة من سمات المثقف؛ إذ تتداخل في رأسه الأفكار والأطروحات والخبرات والأحداث والمتغيّرات، وكأنها بداخل مصنع ضخم لإنتاج الأفكار الإبداعية المتجاوِزة، فعليه المقارنة بينها، وفرز الجيد من الرديء، قبل اقتراح الحلول، وطرح ما يراه الأنسب والأفضل.
بعض المثقفين لا يمتلك رؤية واضحة، ولذا يتوقف، لحين اتِّضاح الرؤية، هذا لا يعد عجزًا، بل ترويًا وانتظارًا، فإذا انكشفت الأمور؛ استطاع الإدلاء بدلوه، واتخاذ موقف مما جرى ويجري، فإن غاب الموقف، بعد اتِّضاح الرؤية؛ فهو ليس مثقفًا، إنما مدلّس ومخادع.
"المثقف الحق" يشاهد الصورة من جميع جوانبها؛ ليتمكن بعدها من طرح رأيه والإدلاء بدلوه، فإذا وجد الصورة لا تتفق مع الموجود في ذهنه؛ مال إلى معارضتها، والتشنيع عليها، وهذه حالة انفصام، تؤدي إلى العمى الثقافي؛ حيث تقدير الأمور والأفكار، بغير مقاديرها وأوزانها.
"العمى الثقافي" حالة من حالات الإعاقة المتقدمة؛ فهو سبب الكثير من المصائب، في حاضرنا وماضينا، إذ لا يكتفي المثقف بالسكوت عن الخطأ، بل يوافقه ويسير معه ويشيد به، وهي أمور؛ تضفي المشروعية وتمهد للقبول به، وتؤسس لمصائب أكثر وأكبر.



