أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب (22)

الشيخ علي الفرج · القطيف اليومالجمعة 22 يوليو 2022، 12:22 م
سيرة طالب (22)

قصة النَّكبة
طويت سنة ونصف السنة تقريباً في الدراسة الحوزوية في حي السيّدة زينب (ع)، في تلك الأيام الدراسية اقترح أحد الطلبة - وهو بمنزلة أستاذ - أن ندرس علم الأخلاق عند أستاذه العلّامة، فوافقنا.
ثم أخبرنا بعد يوم أنه تحدّث مع أستاذه بشأن تدريسنا فأبدى العلّامة موافقته.
كنّا تسعة أشخاص من الطلبة المدنيين والقطيفيين.
حضرنا للدرس في دمشق، وهو درس أخلاقي من خلال سرد قصص العلماء الماضين منهم والمعاصرين، وليس من خلال كتاب محدد في علم الأخلاق، وكان الحضور في مجلسه يوماً واحداً في الأسبوع.
الانسحاب
وبعد مضي شهر أو يزيد قليلاً أبديت رغبتي لزملائي بالانسحاب من الدرس؛ باعتبار أنّ الدرس لا يضيف لي شيئاً جديداً، فكلّ ما يلقيه علينا الأستاذ معلوم لدينا، واستمراري بالحضور مضيعة للوقت، لا سيّما أنّ المسافة بين موقع سكننا إلى موقع الدرس تستهلك منّا ساعة ذهاباً وإياباً، إضافة إلى ساعة كاملة نقضيها في الاستماع إلى الدرس، ولهذا قرّرت الانسحاب داعياً لزملائي في الدرس تمام التوفيق.
مرّ أسبوع كامل على انسحابي، لأفاجأ أنّ بقية زملائي القطيفيين في شقتنا لم يذهبوا إلى الدرس كما هو متوقع، فذهبت في الليلة نفسها إلى الطلبة المدنيين أسألهم عن أستاذ الأخلاق، ما إذا كان افتقد غيابنا أو لا، فأجابني أحدهم بقوله:
بصراحة، أنت الأساس في الدرس، والكلّ انسحب منه بعد انسحابك.
فقلت لهم:
هذه طامّة!
أنا انسحبت من الدرس، لأنّي لا أنتفع منه شخصيا، ولا يعني هذا أنكم تنسحبون خلفي دون سبب، فكيف الخلاص من هذا المأزق الآن؟!
ثم عرفنا بعد ذلك أنّ كلّ الطلبة انسحبوا خلا طالب واحد قطيفي يعيش في بيت بمفرده.
الصّفعة القويّة
وبعد شهر تقريباً التقيت في حي السيّدة زينب (ع) أحد الزوار المعروفين في بلدنا، فالتمس منّي الذهاب معه إلى دمشق ليلتقي الأستاذ العلّامة، عالم الأخلاق، فوافقت على الفور، وذهبنا إلى دمشق وصلّينا المغرب في مسجد الأستاذ وأدركنا صلاة الجماعة خلفه.
وبعد أن انتهت الصلاة، قام الأستاذ يصافح بعض المصلين، فذهب إليه الزائر بشوق لفت أنظار الجميع، إذ بدت لنا أنّ ثمّة معرفة حميمة سابقة تجمع بينهما.
ثم ذهبت أنا لأصافح أستاذي، ففوجئ بحضوري في مسجده.
لما مددت يدي إليه مصافحاً، سحب يده مباشرة دون أن يصافحني، وحينذاك أخذ الخجل منّي مأخذاً عظيماً أمام جمع من المصلّين يزيدون على عشرة، بتصرّف أستاذ الأخلاق هذا، وقال لي:
أنا أعرف نيّتك السيئة، ولكن ستعرف ماذا سأفعل بك!.
فقلت له:
إنّ الذي نقل لك سبب انسحابي لم يقل الحقيقة كاملة.
فقال: انتهى الكلام بيننا!.
أمواج متلاطمة
انصرف لشأنه وبقيت أنا في حيرة من أمري، كيف أتعامل مع هذه المشكلة العويصة، كما أنّ عالم الأخلاق هذا صفعني صفعة معنوية بين الناس.
عدنا أدراجنا من دمشق إلى حيّ السيّدة زينب (ع) وأنا صامت صمت الحيران، والزائر يخفّف عنّي همّي الكبير، ويقول لي:
من المؤكّد أنّ السبب في تهديد أستاذك وجود شخص وشى بك إليه بالباطل!.
لكنّي في حال صمت مطبق، تأخذني الأفكار هنا وهناك، لا أكاد أهتدي إلى وضع يضفي على نفسي شيئاً من الهدوء والسكينة، حتى وصلنا إلى حي السيّدة زينب (ع) وأمواج الحيرة المتلاطمة تعقد لساني عن الكلام.
ودّعت الزائر، ودخلت شقتنا، فحدّثت زملائي عمّا صدر من عالم الأخلاق المعروف، فانتابتهم الدهشة من تصرّفه الذي لم يكن في الحسبان أن يصدر ممن هو في علمه ومكانته وفضله.
رقدة ثم هجوم
لما حان وقت نومي في تلك الليلة، شعرت باكتئاب شديد وحزن عميق تمكّن من نفسي حتى خارت قواي، إلى أن دلع الله لسان الصباح، فرقدت رقدة اليقظان.
وفي صبيحة هذا اليوم جاء لنا الأستاذ الذي اقترح علينا الدرس، فهدّدني وقرّعني لتطاولي على أستاذه المربّي، وهو يصرخ عليَّ مؤنّباً ولائماً مدّة نصف ساعة تقريباً، وكأنّي أنا المخطئ في حقّ أستاذه بلا شك ولا ريب، وأما أستاذه، عالم الأخلاق العلّامة، فمنزّه عن الخطأ وبعيد عن الزلل في جميع حالاته، وكنت وقت صراخه وضجيجه ملتزماً الصمت تماماً.
ما خاب من استشار
في اليوم الثاني ذهبت مع الشيخ حسن الجنبي إلى الشيخ مصطفى المرهون، أبي ياسين، لعلّه يحلّ هذه المشكلة العويصة، أو يحدّ من تطاولهم عليَّ، فقصصت عليه القصة بالتفاصيل.
فقال لي:
بحسب ما سمعت منك، أنا على يقين أنّ شهرية الطلبة ستتوقف عنهم قطعاً، وإذا كان لي من اقتراح، وهو أمر لا بُدّ منه، هو الإسراع في الاعتذار إلى أستاذك.
فأجبته:
لا تهمّني نفسي! نعم، إذا كانت الشّهريات ستقطع عن طلبة العلم الدين كانوا حاضرين في درس الأخلاق، فأنا سأعتذر إليه، مع أنّي على يقين تام أنّي لست مخطئاً.
فاتفقنا أن نذهب له نحن الثلاثة (أنا والشيخ حسن والشيخ مصطفى) من دون أن يعلم مجيئي معهما؛ لئلا يرفض المقابلة مع الطلبة.
*الاعتذار قيمة أخلاقية*
طرق الشيخ مصطفى باب الأستاذ، ففتح الباب بنفسه، فخاطبه قائلاً: جئنا إليك ملبّين، معتذرين، طائعين لك، أندخل مجلسك؟
أجابنا (والابتسامة تعلو محيّاه): تفضّلوا.
بدأنا مباشرة في الموضوع بقول الشيخ مصطفى:
الآن يقدّم الشيخ علي الاعتذار التام بعد خطئه في حقّ مقامكم الرفيع، فتفضّل يا شيخ علي.
فقلت:
أعتذر إلى سماحتكم، وأنا أعترف بخطئي، وأتأسّف كثيراً للفعل السيئ الذي صدر منّي، وأنتم أستاذي المربّي الفاضل.
وباعتذاري هذا بدت عليه علامات السكينة والرضا والاطمئنان، مخاطباً الشيخ مصطفى:
الشيخ علي، وإن فعل هذا الفعل، نحن نحبّه، وأنا أسامحه، فكأنما لم يحدث شيء، أهلاً وسهلاً يا مشايخنا الأعزّاء، تفضّلوا اشربوا الشّاي.
وسبحان مغيّر الأحوال، بعد جلسة الاعتذار هذه، صرت أنا من مريديه، بل من أقرب المقرّبين إليه وأكثرهم محبّة ومودة.
نتائج وعبر
وانتهت هذه الحكاية المريرة التي يمكن أن نأخذ دروساً مهمّة في هذه الحياة:
- ربما يدرس معلّم عن التربية وأصولها ويتشبّع من نظرياتها، لكنّ نفسه المغطّاة بالقسوة والفظاظة تحول دون الإفادة من تلك الدروس، فلا تتحول النظريات إلى تطبيق عملي يظهر على سلوكه مع الآخر، فظاهره مربٍّ فاضل، وباطنه وحش كاسر، وهذا ما لا يريده الله، حتى إنّ بعض الفقهاء ذهبوا إلى أنّ المؤمن محاسب على نيته السيئة، لأنّ الله يريد للإنسان المؤمن أن يكون ظاهره كباطنه.
- تهديد شخص أمام الناس وإهانته وفضحه من المحرّمات، بل من المحرمات الكبيرة عند الله سبحانه.
- ربما يترتب شيء غير محمود العواقب؛ بسبب خلاف بين المعطِي والمعطَى، ولكنّ المشكلة الأكبر أنّ المعطِي إذا أظهر أنّ هذا الخطأ الذي ارتكبه الآخر يخالف مقام الإمام (ع)، مع أنّ الخلاف خلاف شخصي في وجهة نظر محدّدة، لا يسقط العدالة، فما ذا لو اعتبر نفسه ممثل للإمام (ع) في قطع الشهرية!!