الثقافة فسحة الجميع .. حَدَتٌ وَحَدِيثٌ "21"

في أَمتَع وأسطَع الشُّرَف المُترَفَه المُتاحَة، لجَلسات الحَديث الوِدي المَاتَع عَن أَسمَى فَضاءات أَنغام التغنِّي المُتأَلقة، وأَندَى لِقاءات تَرانِيم التنمنِّي المُتأَنقة، وَسط فَسَاحةٍ مِن أَجواء الثقافة؛ واستعراضٍ مِن وَسَاعة هَواجِس آمالٍ، وخَواطِر أَحلامٍ، ورَصَانة أَقلامِ المُثقفِين اليافِعين، في نَواصِي بَوتقات تَفتُح أَذهانِهم المُتيقِظة أَلقًا ولَمعانًا، على "مَصارِيعها" النافذة البِكر، بإِهداء باقات فَتَّانة عَطِرة مِن أَزكَى الوُرود الندية، وأَعطَر الريَاحين الشذية؛ ليَنتشر- بسَخَاءِ المكان، وعَطَاءِ الزمان- فَائق ورَائق عَبيرِها الفوَّاح، والمُهدَى سَماحَة، بشَفافِية ذاتية، والمَنثُور أَصَالة بأَريحِية شَذاها المَبثُوث بأَطيب عِطر مَلكي خالِص… مُختالًا بمَندُوحَة، ورِقة البَوح الذاتي لجُمُوع الأَناسِي الطيبين، مِن حَوله، وَسط بَساتين دَاخِلة الفَيض الأَريحِي المُتأَلق، بَعد بُحبُوحة الارتواء الوجداني الأَسمَى، قلبًا وقالبًا.
وفي حَافظة فَضاء ذِكرى صَحوة الذاكرة الساهِرة، بسِحر أَناقتِها الحاضِرة، وحُضُور رَبيع شَآبيب عَطاءاتِها المُنتشِية زَهوًا مِن بين رُكام زَحمة العُقود المُنصرِمة؛ تَتقاطر وتَصطَف، احتِرامًا واحتِشامًا، أَحلام الذكريات المُتناغِمة المُنطوِية، في لُحمةِ صُفوف رِقاع مَتن صَفحاتها المُشرِقة، في مُقتبل رَبيع مُنتصف العَقد الثامن مِن القرن الميلادي المُنصرِم؛ حَيث كُنت في رِحلة جَوية مُنفردًا، مِن مَطار "دَالس- فُورت وُرث" الدولي، في شمال وِلاية تكساس الأَمريكية، مُسافرًا إِلى مَدينة "هُيوستِن" الثرية المُزدهِرة في أَقصى الجنوب. على ضِفاف خليج المكسيك؛ لإِنجاز مُهمة رَسمية خَاطِفة… وفي مَدرَج المطار الأَول، قَبل إِقلاع الطائرة، مُتوجهًا إلى مَطار هُيوستن جَلست طِفلة يافِعة في رَبيعها التاسِع الزاهِر بجانبي، في مَقعدها المُخصص، مُسافرة إِلى مَسار وُجهَتِي المقصودة… وبعد أَن انطفأَت إِشارة رَبط الأَحزِمة، استدارت لي- بكل أَدبٍ واحترامٍ- لتُحييني، وتُقدِّم لِي مُحتوى بِطاقتها الشخصية المُتواضِعة… لِتسأَلني- بعِناية ولُطف عن اسمي، وعَملي، وجِنسيتي، وحَالتي الاجتماعية، ولُغتي، ودِيانتي… ومِن ثم تابعت بعنايةٍ مُماثلةٍ، سَرد بِطاقتها الشخصية المُتأَلقة، وقد أنهت توًا دراستها الابتدائية؛ وأَفادت بأَنَّها تجيد التحدث بثلاث لُغات حَية: الإِنجليزية، والأَسبانية، والفرنسية… وقد أوصَلتها أُمها إِلى المطار الأَول، لينتظرَها والدها في مَطار هيوستن الدولي، في جنوب الولاية ذَاتِها… هذا ولم تكتفِ الطفلة المُثقفة الناشِئَة الفِكر، المُتفتحَة الذِّهن، بذلك السرد الاعتيادي المُمتع، بل استعرضَت، ببراءة وأَريحية، جَانبًا حَيويًا مِن أَسرار طُفولتها الحَالمة، وذَكائها المَلحوظ، وجَمال صَوتها، المُنسجِم مَع جَمال ورِقة طلعتِها الأَخاذة… واتحفتني، بعد الاستئذان المُتأَدِّب، بثلات أُغنيات مُختارة، في ثلاث اللغات التي تجيدها؛ وأنا مُتسمِّرٌ في مَقعدي، مُستمِعُ لها، بآذان صَاغية… وبَعد أَن أنهت أَداء مُقتطفات مِن جَانب مَوهِبتها الغنائية العذبة، طَلبت مِني أَن أُسمِعها أَغنية بلغتي العربية… فلم أَتوان أَو أَحجِم عَن ذلك، فلبيت طلبها، وأنا في مَرحلة الصِّبا عُمومًا، وأسمعتها إِحدى أغاني المُطرب: طَلال مَداح الغزلية القديمة؛ فأَعجبتها، أيَّمَا إِعجاب، وبَادَرتنِي بمَشاعر الاستحسان والتصفِيق…
هَذا، ولم ينتهِ مُسلسل اللقاء الماتِع الساخِن مَع الطفلة الأَلمعِية المُثقَّفة، بل بَعد أَن توقفت الطائرة تمامًا، على مدرَج المطار، حِينها أصرَّت عليَّ- رفيقة الدرب- المُؤنِسة بأَنْ لَّا أَُغادِر صَالة المطار، حَتي تُعرِّفنِي على أَبيها، المُنتظِر عَودتها، داخل نقطة الوُصُول؛ وأُسلَّم عليه أصَالة… فلبيت لها ذلك المَطلب السَّهل المَهل، بكُل وِدٍ واحترامٍ… وعِندها شَعرت بلَذة استنطاق، ومُتعة استنهاض طَيفٍ ناعمٍ حَيوي مُسترخِ في جَوف غِمد غَفوة الطفولة البريئَة، دُون أَقل تكلفٍ، أَو أَدنى تزلفٍ؛ لارتشاف واحتساء سَلسَين مِن سَائغ رَيع مَذاقات إِكسير عَبِقِ ضَاعٍ، وَسط تنامٍ مُتصاعِدٍ لِترانيم صَنَّاجَة وَلَه البَوح الطفولي الحَالمة!
… ولا أُبالغ، فقد تم نَسج وحِياكة وِشاح ذلك اللقاء القَصِير في صُنعِه؛ والمُتعمِّق في نهج مَضمونِه، والمُتفائل في سَفح مَغزاه، بنَقاء الفِكر، وصَفاء الذِّهن المُتآزرين رِدءًا وعِدلًا، في أَبجدية ثنايا مُتسع عَقلية فَردية مُتميزة… وفي تّصوُّرُي المُتواضع، أَنَّ أَريحية المَوقف الجاذِب، وذَاتية البوح الشخصي الباعِث في بِنية شخصيةٍ طفوليةٍ يافِعة، لَن يَتكَرر مِنوالهما ومِثالهما الساطعين، في عَتمة مَاثِلة لعُقود تالية، وقد تلبَّدَت أَجواؤها؛ وتَبلورَت أَسطُح صُورِها النمطية، في بُلدان الغرب "المُتحضِّر" قاطبة؛ وتوشَّحَت بنزعَة عِرقية جديدة، عُرِفت بمُصطلح "رُهاب الإِسلام- الإِسلامُوفُوبيا" والمُحاصَرة المُتهمَة بمَشاهِد الإِرهَاب المُتكرر… وتَلَت تلك المُلاحَقة انفلات مُروِّع مِن أَجيال الفيروسات الطليقة، العَابِرة للقارات؛ والمهدِّدَة بويلَات إِنسانية دَولية مُدمِّرة؛ والمُقوِّضَة بامتياز، لأَساسات بُنَى الاقتصادات الدولية المُعاصِرة!
ولَستُ هُنا، أَتشاءَمُ وأَتطيرُ مُندفِعًا مُتسرعًا- بحَماقَة وسَخافَة- بنشر وإِشاعَة مَنشور استدامَة لِبس قُماشَة الكِمَامَة "العُرفية" لاتقاء العَدوى المُقِيتة؛ لِمنع انسياب أساليب نزعة البوح مَن أَزِمَّة الوجدان البشري؛ وأُبعِدها عَن رِدء مَوارِد مَناحي التواصل الاجتماعي المُتحضِّر، مُقترِحًا، بتعصُّبٍ وتصلُّفٍ، إِلغاء وإِقصاء أُيقوناتها المحمودة مِن ذائقة الوِجدان الحي، قلبُا وقالبًا… ودَائرة حّدّس الوجدان الراهن تنضح شَفافيةً، بتطلعٍ واستشرافٍ مُواكِبين، بحَدَس نزعة الفوز الظافرة بوُلُوج جَولات، وكسب صَولات، لها مِن النفع المَلموس، والجَني المَأمول، مِثلما حَازت، أَترابها بذلك المد المُتجدد مِن أصلَب الصولات، وأَقسَى الجولات الفاخرة في أَندى مَدارج رَابعة الزمن الجَميل المُنصرم… وبالله التوفيق، ومِن فَيض القُدرة الربانية المُقتدِرَة القادِرَة، نَرتقِب الطمع الراغب مِن أَيادِي العَون الإلهي المَدِيدَة؛ ونَرتَجي السمو المَأْمُول المَوعُود إِلى سُبل التدبير السدِيدَة!



